الامتناع الرسمي عن القضاء و افلات الجاني من العقاب و ضياع حقوق المتضرر

الامتناع الرسمي عن القضاء و افلات الجاني من العقاب و ضياع حقوق المتضرر

بقلم محمد علي التقرتي

اقتضى الفصل 108 من المجلة الجزائية ما يلي:

« يعاقب بخطية قدرها مائتان وأربعون دينارا كل قاض من النظام العدلي يمتنع لأي سبب كان ولو لسكوت أو غموض القانون عن القضاء بين الخصوم بعد طلبهم ذلك منه ويستمرّ على امتناعه بعد إنذاره أو أمره من قبل رؤسائه. »

قام الشاكي زاعم الضرر برفع مقالته الى وكالة الجمهورية بإحدى المحاكم الابتدائية بالجمهورية.

ثم، و للعلم فان « ثم » تفيد لدى علماء النحو و اللغة التراخي، ثم  تردد على المحكمة للتثبت من مآل شكايته  و موقف النيابة منها.

 اصطدم الشاكي في كل مرة بنفس الجواب يتكرر بورقة الاعلام المسلمة له من طرف اعلامية المحكمة.

 تفيد الورقة انه  « تم تسجيل الشكاية و  فتح ملف جديد » و بعد ثلاث نقاط متتالية  عبارة « المصدر الشاكي ».

الورقة لا تقوم اعلاما فما ورد فيها غير مفيد. فالشاكي على علم انه رفع شكاية الى سيدي وكيل الجمهورية و انه مصدر الشكاية.

تمر الايام ثقيلة، صعبة على المتضرر، يستمر  في تردده على المحكمة، و لا يتغير رد الكمبيوتر : « تم تسجيل فتح ملف جديد…المصدر الشاكي ».

سنة كاملة و اكثر منذ تاريخ ايداع الشكاية و رد المحكمة لا يتغير و حالة المتضرر تسوء و تسوء …و الجاني او الجناة على غيهم بل تأكدوا من الافلات من العقاب…و النيابة مستمرة على موقفها لا تبحث في الشكاية و لا تتخذ أي قرار لصالح الشاكي او ضده…

 الى ان تكدس بين يدي الشاكي عدد من ورقات الاعلامية جميعها بتواريخ مختلفة و لكنها تتحد في النص.

قرر الشاكي الاتصال مباشرة بوكالة الجمهورية و مقابلة سيدي و كيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية ذات النظر.

وكان له ذلك.

بعد المقابلة طلب سيدي وكيل الجمهورية امدا لبحث الامر بعد ان تسلم نسخة من الشكاية و نسخة من ورقة الإعلام الصادرة عن الاعلامية ووعد الشاكي بإجراء اللازم و بان لا علم له بالموضوع لأنه سُمي حديثا بالخطة .

  استقبل سيدي و كيل الجمهورية الشاكي بعد اسبوعين من المقابلة الاولى    و اعلم الشاكي  بان النيابة لا تنوي فتح بحث و لا تتبع المشتكى به.

طلب الشاكي حينئذ و بعد ان تأكد لديه رأي النيابة في الشكاية التي رفعها، طلب من وكيل الجمهورية حفظ الشكاية حتى يتسنى له القيام على مسؤوليته الخاصة في تتبع المشتكى به طبق مقتضيات الفصل 36 من مجلة الاجراءات الجزائية الذي جاء فيه صراحة « حفظ القضية من طرف وكيل الجمهورية لا يمنع المتضرر من إثارة الدعوى العمومية على مسؤوليته الشخصية وفي هذه الصورة يمكنه عن طريق القيام بالحق الشخصي إما طلب إحالة القضية على التحقيق أو القيام مباشرة لدى المحكمة. »

و للعلم  فان الفصل 36 يشترط حفظ الشكاية حتى يتسنى للشاكي القيام بالحق الشخصي و طلب احالة القضية على التحقيق او القيام مباشرة لدى المحكمة.

انظر قرار محكمة التعقيب جزائي عدد 11126 مؤرخ فى 06/11/1974 – »ان اثارة الدعوى العمومية من طرف المتضرر على مسؤوليته الشخصية طبق الفصل 36 اجراءات يستلزم وقوع حفظ القضية من النيابة العامة ».

و للعلم  فانه و بدون قرار حفظ للشكاية من طرف النيابة  لا يمكن للشاكي مواصلة شكواه طبقا للفصل 36 أي ان لا امل له في تتبع الجاني جزائيا او تغريمه و مطالبته بتعويض الضرر.

وعد وكيل الجمهورية الشاكي باتخاذ قرار في الحفظ في اقرب الاوقات و على كل حال في بحر اسبوع  او اسبوعين على اقصى تقدير.

و مرت الايام و الاشهر و لم تتخذ النيابة قرارا لا بالحفظ و لا بالتتبع معترضة على حق الشاكي الدستوري و الانساني في ان يستمع  قاض لشكواه و يصدر حكمه بينه و بين غريمه.

استمر الحال على ما ذكرنا و حالة المتضرر تسوء و قد شغل موضوع الشكاية الوجدان و  الفؤاد و اصبح همه بالليل و بالنهار  و أكثر من  التردد  على مكتب سيدي و كيل الجمهورية و على المحكمة حتى اصبح الجميع على علم بأمره و اصبح ثقيل الظل يشار اليه بالإصبع و بالبنان و حفظت موظفة الاعلامية عدد الشكاية عن ظهر قلب    فكانت تبادر الشاكي بالإجابة قبل ان يبدأ بالسؤال: لا جديد في الشكاية سيدي…

  اما وكيل الجمهورية فهو يستقبل صاحبنا في كل مرة بنفس التبجيل و الاحترام…

 قرر الشاكي  رفع الامر لرؤساء  و كيل الجمهورية و تفعيل مقتضيات الفصل 108 المشار اليه بطالع المقال وهو يطمع  ان ينذر رؤساء و كيل الجمهورية القاضي الممتنع عن القضاء او يأمروه بالقيام بواجبه في القضاء بين الناس طبق مقتضيات الفصل 108 من المجلة الجزائية المشار اليه بطالع هذا.

تم رفع الشكاية الى الرئيس المباشر  لوكيل الجمهورية .

 قرر الرئيس المباشر لوكيل الجمهورية قبول الشكاية و احالها برمتها كما هي على المشتكى به أي  على وكيل الجمهورية منذ اكثر من …تسع اشهر…

أكد و كيل الجمهورية للشاكي انه أجاب رئيسه المباشر مشافهة عن طريق الهاتف و شرح له الامر.

امتنع وكيل الجمهورية عن اجابة رئيسه كتابة فلم يتسن للشاكي معرفة فحوى رد المشتكى به و لا موقف الرئيس المباشر للمشتكى به.    

اما الرئيس المباشر لو كيل الجمهورية المشتكى به فلم يتخذ قرارا في الشكاية المرفوعة اليه و لم يأمر القاضي العدلي الممتنع عن القضاء بالقيام بواجبه و لم يوجه له انذارا في الامر و ان كان ذلك فقد تم مشافهة مما يستحيل معه  تطبيق الفصل 108 جزائي لغياب عنصر من عناصر الجريمة و هو صدور امر او انذار من رؤساء القاضي الممتنع عن القضاء بضرورة قيامه بواجبه.

وجد الشاكي نفسه امام حلقة مفرغة. الشكاية في الامتناع عن القضاء توجه  لا محالة للنيابة التي يجب ان تتخذ بشأنها قرارا ما بالحفظ او بالتتبع اما اذا كان مآل الشكاية بدورها  التجاهل و الاهمال و امتنعت النيابة  مجددا عن النظر في جريمة الامتناع …. فالحال سيستمر  الى ما لا نهاية له و قد يقضي الجاني و الشاكي نحبهما و تندثر اوراق الشكاية و مؤيداتها و تمر السنون و الاعوام و لا مغير للأحوال…

فبحيث …الامتناع عن القضاء في بلادنا حقيقة واقعية و قانونية و هو امتناع رسمي اذا ما  امتنع القاضي العدلي    عن القضاء و امتنع رؤساؤه  المباشرون  عن انذار القاضي العدلي الممتنع او امره بالقيام بواجبه.

اما المتضرر فقد ضاعت حقوقه و آماله فلا الفصل 36 ينطبق لعدم صدور قرار في الحفظ و لا الفصل 108 ينطبق لعدم صدور امر او انذار للقاضي الممتنع عن القضاء من طرف رؤساءه بالقيام بواجبه في إقامة العدل.

ولجميع هاته الاسباب فقد استخلص الشاكي محقا انه بإمكان الجاني في بلادنا الافلات رسميا و قانونيا  من العقاب مهما كانت  الجريمة اذا ما كانت له يد طويلة و اذرع  قوية و صدور تحميه.

 عندها رفع الشاكي يديه للسماء وقال « اللهم أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على وزارة العدل.. يا حسرتي على العدل ببلادي…                و اغرورقت عيناه دمعا و شهق بالبكاء…

كم من حالة تشبه حالة صاحبنا و كم جريمة اغتصاب و قتل و افتكاك لممتلكات الناس و عنف خفيف او ثقل افلت اصحابها من العقاب و لم يبق للمتضررين الا البكاء و العويل تُرى و قعت بالبلد ؟ و كم من مظلوم بات مقهورا حسيرا مهزوما و كم من مظلوم قرر الانتقام لنفسه و اقامة العدل بنفسه منتصرا باهله و عشيرته؟

 ما كان لكل هذا ان يكون لو ضرب المشرع للنيابة العمومية اجلا لاتخاذ قرار في مآل الشكايات التي ترفع اليها.

مرور اجل معقول على رفع الشكاية و سكوت النيابة يجب ان يعادلا قرار الحفظ لها مما يفتح للمتضرر حق القيام على مسؤوليته الخاصة طبقا لمقتضيات الفصل 36 من مجلة الاجراءات الجزائية كل ذلك حتى لا تندثر آثار الجريمة و مؤيداتها و حتى لا تضيع الحقوق و تحقيقا لمبدأ المساواة امام القانون، الجزائي منه خاصة.

 أقر القانون الفرنسي على سبيل المثال تشريعا مماثلا حيث ضرب المشرع للنيابة اجلا قدره ثلاثة اشهر لاتخاذ قرار في الشكايات المرفوعة اليها يحق بانقضائه للشاكي القيام على مسؤوليته الخاصة.

فمتى يتخذ المشرع التونسي قرارا مماثلا ؟