القضاء السلبي

القضاء السلبي

بقلم محمد علي التقرتي  

في يوم من ايام القضاء تراكمت امامي اكداس من قضايا مؤسسة اجتماعية معروفة.

نظرت في جملة القضايا فاستخلصت ان المؤسسة بحثت في اعماق اعماق ادراج مكاتب الموظفين و خزائنهم لتستخرج ما غفل او تغافل عنه الموظفون من ديون لم تستخلص…

كانت القضايا عديدة و لكن جلها لديون قديمة..

لم اكن ارغب لكسل انتابني في الحكم في تلكم القضايا و لا تلخيص الاحكام و التثبت بالنسبة لكل قضية في مقدار الدين و تاريخه…

رجعت الى النص القانوني سند الدعوى فتبين لي ان دعوى القيام تسقط بمرور مدة زمنية معينة و تبين لي ان جميع الدعاوى المطروحة امامي قد سقطت بمرور الزمن..

وجدت في هذا النص ضالتي للتخلص من جملة القضايا بحيثيات وحيدة متشابهة..

و بعرض رأي اثناء المفاوضة عارضه قيدوم الدائرة فقال ان سقوط الدعوى بمرور الزمن لا يهم النظام العام و ليس للمحكمة ان تثيره من تلقاء نفسها و لم يثره اي من المطلوبين المتخلفين عن الحضور..

فلما كان الحكم في القضايا بعدم سماع الدعوى لا يستقيم استقر الرأي على « رفض الدعوى » لمرور الزمن ظنا منا ان رفض الدعوى اخف وقعا على الطالب من عدم سماعها..ما دام يفتح للطالب امكانية اعادة نشرها.

كان رئيس محكمة الاستئناف بالرغم من عدم وجود الاعلامية في ذلك الزمن متتبع لاعمال المحاكم الراجعة له بالنظر و كان يمسك احصائيات دقيقة بالنسبة لكل محكمة و كل دائرة فاذا       لا حظ ارتفاع عدد مطالب الاستئناف ضد احكام دائرة من الدوائر استدعى اعضاء الدائرة او رئيسها و سأله عن سبب عدم رضاء المتقاضين بالاحكام التي يصدر و طالبه بمراجعة اعماله     و احكامه..

غضب الاستاذ محامي المؤسسة الاجتماعية الطالبة غضبا شديدا واستانف الاحكام التي اصدرتها الدائرة و القاضية بالرفض لسقوط الدعوى بمرور الزمن..

فوجئت و انا اصغر الاعضاء بالدائرة و اقلهم خبرة ان يستدعيني الرئيس الاول لمحكمة الاستئناف لمكتبه ليسألني عن  » فقه القضاء » الذي استنبطت..

قال لي لقد اتيت خطا مهنيا فظيعا ليس لانك اخطات في تطبيق القانون فحسب و لكن لانك كنت عدميا في قضائك اعلم يا بني ان صاحب الحق لا يفرط في حقه و ان حكم الرفض ان لم يكن لاسباب شكلية حكم عدمي لا يضع حدا للنزاع و لا يضيف للمتقاضين شيئا شانه شان احكام عدم سماع الدعوى على حالتها و الحكم بعدم سماع الدعوى الآن..فهو من القضاء السلبي..

تكاسلت في العمل و حملت زملائك القيام بالعمل الذي كان موكولا اليك فقد اثقلت كاهل الاستئناف بدعاوى وقضايا ما كانت ان تكون لولا موقفك السلبي..

و ان اعادت الطالبة القضايا فانت لا محالة ستقوم بالعمل المطلوب منك ثانية او سيكون ذلك من نصيب غيرك من القضاة و هو من باب تعطيل سير العمل و شغل موارد القضاء فيما لا ينفع اذ     و جب القيام بنفس العمل اكثر من مرة واحدة..

ان الفرد الصالح في العائلة الوحيدة لا يتواكل و لا يترك لغيره من افراد العائلة اعباء العمل الموكول اليه.

ثم انك حملت مؤسسة اجتماعية مصاريف و اجرة محاماة كانت في غنى عنها و هي مصاريف لا امل لها في استرجاعها بالنظر لوضعية المطلوبين المادية و جلهم بحالة اعسار..

ثم انك خرقت حقوق الدفاع و كان عليك اثارة الدفع الذي لا يهم النظام العام و مطالبة المؤسسة الطالبة ببيان موقفها منه ان كان لا بد لك من الظهور و ان تشعر الكل بقدراتك العلمية ..

فان لم تكن ترغب في العمل كان من الانسب ان تعتذر و ان تؤجل الحكم في القضايا حتى تسترد رغبتك في العمل و هو امر اقل ضررا للمتقاضين و للقضاء و للعدالة فلا يقضي القاضي و هو بحالة تعب او غضب او اعياء..

ان القاضي الناجح هو الذي يضع بحكمه حدا للنزاع بحيث يقبل به الطالب و المطلوب على حد السواء و قد جعل الله العدل سببا من اسباب الايمان اذ قال الله تعالى  » فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا »…

و ختم قوله انما يشفع لك صغر سنك و قلة خبرتك.. ومعرفتي لوالدك ..و هذه آخر غلطة اغفرها لك ..

كان ذلك قبل ان يصاب القضاء بداء « الفصل » حيث العبرة بعدد القضايا المفصولة مهما كانت نوعية الاحكام و مدى فاعيليتها في وضع حد للنزاع.

Laisser un commentaire