انصراف الهيئة عن مشاغل المحامين

انصراف الهيئة عن هموم المحامين سبب الازمات بين القضاء و المحاماة

بقلم محمد علي التقرتي

تخلت الهيئة الوطنية للمحامين و ابتعدت شيئا فشيئا عن هموم المحامي و مشاغله وانا لا اتحدث فقط عن المشاغل الحياتية وهي هامة و لها تاثيرها على اداء المحامي ولكن ايضا على همومه المهنية.

و الراي عندي ان هذا الابتعاد يمثل في الحقيقة السبب الرئيس في المشاكل التي تتخبط فيها المهنة بما فيها الصدامات التي اصبحت متواترة بين جناحي العائلة الواحدة، العائلة القضائية الموسعة.

انحدرت المحاماة شيئا فشيئا الى الاهتمامات السياسية و النزاعات المذهبية و تركز هم بعض المحامين على احتلال المواقع السياسية و التسابق على كسب ود النظام و الاحزاب و محاولة تدجين مجموع المحامين و توجيهم في اتجاه سياسي معين دون غيره.

كثيرا ما تورط المحامون بمختلف اتجاهاتهم في اتخاذ مواقف سياسية معينة للتاييد او المناشدة او الادانة و التنديد بحسب ما تقتضية السياسة و الاحوال.

شخصيا عرضت لي اثناء ممارسة مهنتي قضية مماثلة لقضية الجهاز السري و وجه الشبه بين القضيتين ان وكيل الجمهورية الذي رفعت امامه شكاية جزائية رفض ان يتخذ قرارا ما في الشكاية سواء بالحفظ او بالاحالة…

كنت كثير التردد على الاعلامية و لم تتغير وضعية الشكاية و بقيت على حالها لاكثير من …27 شهرا.

كانت آخر محاولاتي القانونية ان اتصل بالوكيل العام لاعلامه بموقف وكيل الجمهورية الممتنع عن القضاء، وهي جنحة يعاقب عليها جزائيا.

على ان الفصل 108 جزائي يشترط صدور امر من رؤساء القاضي الممتنع للقيام بواجبه لاستكمال شروط الجنحة.

كانت الخطة ان يامر سيدي الوكيل العام بوصفه رئيس وكيل الجمهورية ان يامره بالقيام بواجبه في حفظ او احالة الشكوى. 

و لكن الوكيل العام رفض اصدار امره لوكيل الجمهورية للقيام بواجبه القضائي ووجدت نفسي في صورة واقعية و قانونية من الامتناع الرسمي عن القضاء..

استشرت غيري من المحامين فاشاروا علي بالقيام على مسؤوليتي الخاصة طبقا للفصل 36 اجراءات جزائية بالرغم من الموقف الواضح لمحكمة التعقيب في الموضوع التي تشترط صدور قرارا بالحفظ لقبول مطلب القيام طبق الفصل 36.

رفضت القيام بعملية بيضاء الغاية منها مجرد استنزاف الحريف بدون فائدة ترجى…

لم يكن امامي في هذه الوضعية الا احد الحلين:

اولهما ان التجأ الى العنف باحداث الفوضى امام مكتب القاضي الممتنع عن القيام بواجبه و اعتصم بمكتبه

و ثانيهما ان التجأ الى الهيئة الوطنية للمحامين لاعلامها بالصعوبة التي اعترضتني اثناء ممارستي لمهنتي اطالبها بالقيام بواجبها الاساسي في الاتصال بالوكيل العام او بغيره من السلط القضائية، ولم لا بوزير العدل، لاتمكن من القيام بواجبي طبق القانون و في حدوده..

رفعت تقريرا مفصلا لهيئة المحامين في الامر و لفرع تونس للمحامين و حصلت على ما يفيد ايداع التقرير لدى الهيئتين… 

اسوق هذه الحادثة و انا متيقن ان الكثير من الزملاء المحامين تعرضوا لمشاكل مماثلة ولم يجدوا العون ولا المساندة التي يرجون من طرف هياكل المهنة.

ان التواصل مع عميد المحامين و الانفراد به و التحدث اليه عملية شاقة و مضنية.

فالعميد على الدوام محاط بحاشية مقربة تحتل جميع مقاعد المكتب.

بدخولك لمكتب العميد ينتابك حرج عميق و تشراب اليك الاعناق وكانك كائن غريب اطل من كوكب بعيد و يتيقن لديك حدسا ووجدانا ان حضورك غير مرغوب فيه وان الموضوع المهني الذي ستثير لا يهم الحضور من بعيد و لا من قريب..

و اذا ما تجرات وفعلت فان الاجوبة تكون مقتضبة او مستخفة او متضاربة…

وينتهي اللقاء كما بدأ باهتا بتبادل بعض المجاملات ..

و السؤال الذي يلح علي و نحن نعيش ازمة اخرى بين جناحي العدالة هو الاتي: 

هل رفع المحامون المحالون على التحقيق و المتهمون باقتحام مكتب سيدي وكيل الجمهورية، وهم ابرياء الى ان تثبت ادانتهم، قلت هل اعلم هؤلاء او احد منهم قبل تحركهم الاخير، الهيئة بالمصاعب التي اعترضتهم و المتمثلة في امتناع وكالة الجمهورية عن القضاء والبت في الشكاية احالة او حفظا ؟
فاذا كان الجواب نعم فما هي الاجراءات و الاعمال التي قامت بها الهيئة لتجاوز هذه الصعوبة و تذليلها و تفادي تفاقم الخلاف الى ما آل اليه ؟

اما اذا كان الجواب بالنفي فالسؤال يبقى مطروحا و قائما حول اسباب انعدام الثقة و فقدانها و انعدام التواصل بين المحامي و بين الهيئة بحيث لا يرى المحامي فائدة في الاستنجاد بالهيئة لتذليل الصعاب التي تعترضه اثناء ممارسته لمهنته.

والحال ان وظيفة الهياكل اولا و قبل كل شيء تاطير عمل المحامي و الاحاطة به و توفير احسن الضمانات       و الظروف لممارسة مهنته في اطار قانوني يحفظ له كرامتهة و .. سلامته الجسدية..(هناك اخبار عن اصابة احد الزملاء بكسر برجله).

قرات في ردود الزملاء و تعليقاتهم بعد الاحداث الاخيرة مواقف مختلفة منها من يطالب بمقاضاة من تطاول على المحاماة بنعتها بابشع النعوت ومنها من ذكًر القضاة بمواقف المحاماة ووقوفها لجانب جمعية القضاة ايام الجمر.. و منها من رفع شعارات من نوع « قدر المحاماة الانتصار دوما.. »

ستنتصر المحاماة و لاشك لانها ستتضامن مع المحامين المحالين و ستنظم الوقفات الاحتجاجية و الاضرابات المتتالية الى ان تحقق اهدافها..

قد نفرح لمواقف هيئة الدفاع عن حقوق الانسان و المنظمة الشغيلة و غيرهما من المنظمات ولكن كل ذلك حسابات سياسية ضيقة لا تنفع المهنة و لا المحامين.

كل ذلك على حساب سمعة المهنة و على حساب مصالح المتقاضين.

و يبقى السؤال قائما و ملحا لماذا اخفقت الهيئة الوطنية للمحامين في القيام بدورها الاساسي أي توفير المناخ الاجتماعي و القانوني الضروري لممارسة المحامي مهنته في كنف احترام الجميع له ، قضاة و سلط              و متقاضين ؟.

ان حسن الادارة و التسيير و التدبير لا يتمثل في حل المشاكل بعد وقوعها واستفحالها بل في استباق المشاكل وتفادي وقوعها.

قد يكون للهيئة عذرها في الابتعاد عن هموم المحامين المهنية و مشاغلهم و قد لا تقدر الهيئة تتبع كل محام     و كل قضية بالنظر لتضخم عدد المحامين..

الا ان قضية الجهاز السري للنهضة و الشكاية التي رفعت للبحث فيها قضية هامة وحساسة وهي من القضايا التي وجب على الهيئة تتبعها عن كثب و عن قرب و تفويض ممثلا عنها ليكون همزة وصل بينها و بين هيئة الدفاع حتى تكون الهيئة و العميد على دراية اولا باول بجميع الصعوبات التي قد تعترض الزملاء المحامين في القضية و في الابان فتتلافي الهيئة تفاقم الامر الى صدام عرض سلامة المحامين و القضاة والامنيين الى خطر…

و قد رايت العميد في بلدان اخرى يحيط بالمحامي و يسهر على راحته سهر و احاطة الولي بمنظوره.. مهنيا و علميا.

رايت العميد قريبا من المحامي يمكنه في كل وقت طلب مقابلته على انفراد لبسط ما تعترضه من صعوبات اثناء ممارسته لمهنته وطلب النصح و الحماية و الدعم.

و لعل آن الاوان ان نفكر جديا في ان يكون لكل محكمة ابتدائية …عميد او من ينوبه لتلقي مشاكل المحامين و الاستماع اليهم كل ذلك تفاديا ان تتفاجأ الهيئة يوما بما لم تكن تتوقع و ما لم تقرأ له حساب و لا رد و لا تستطيع حله في اقرب الاجال وبايسر الطرق…

اذكر ان زميلا استوقفني يوما و كنت على متن سيارتي و في طريقي الى مكتبي و كنت مصطحبا ابنتي الصغرى للمعهد الثانوي فحملته معي الى حيث ينوي الوصول و فوجئت بحديثه، وابنتي تتابع حديثنا و تستمع اليه، عن نيته في الانتحار لانه عجز عن تجاوزالمصاعب التي تعترضه في ممارسته لمهنته ولان لا احد يستمع اليه و لا احد يكترث بمعاناته…

و لكم آلامني خبر وفاته بعد يوم واحد من لقاءنا وقد اختار وضع حد لحياته…

اثرت في نفسي الحادثة ايما تاثير و علمت ابنتي الخبر و تاثرت لذلك شديد التاثر و بكته طويلا..

و اذكر ان العميد كان على اول بداياتي في المحاماة قريبا من المحامين واحد منهم لا يختلف عنهم يحضر يوميا الجلسات و يمر بين الاروقة و الممرات..ياكل الطعام و يمشي في الاسواق..

كما اذكر ان زميلا كلفني بنيابته في مجلس من مجالس التاديب للدفاع عنه فعجبت ان يحال الزميل، وكان ذلك قبل احداث فروع المحامين، على التأديب لاصداره صك بدون رصيد حال انه قام بتسوية الوضعية في الاجال القانونية..

الا ان العميد و الكاتب العام دافعا عن موقفهما بان احالة الزميل على مجلس التاديب انما كان في الحقيقة حماية له و اجراء وقائي اتخذته الهيئة حتى لا ينزلق الزميل وينساق مستقبلا في اعمال اكثر خطورة.. كالاستيلاء على اموال الحرفاء…

و قال لي الكاتب العام رحمه الله  » موش خير ما يعملنا عملة اخرى نوحلو فيها ؟ « 

و في يوم من الايام تحدثت الى عميد من عمداء فرنسا وكانت العمادة قد احالت محاميا على مجلس التاديب لانه رفض ان يبادر العميد بتحية الصباح او رفض ان يرد على تحية العميد وقلت للعميد مازحا

 » c’est un peu mégalo ?  »
فاجابني

 » non ? s’il ne dit pas bonjour aujourd’hui c’est qu’il compte faire des bêtises »

حسن التدبير و حسن الادراة و الحكمة في التسيير تكمن في استباق الاحداث و المشاكل و تفاديها لا في حلها بعد استعصائها و لا يكون ذلك بدون خسائر مادية ومعنوية.