انما سُّميت اليونان ببلاد الاغريق لغًرًق أهلها

انما سُّميت اليونان ببلاد الاغريق لغًرًق أهلها !

بقلم محمد علي التقرتي

zobra le grec

تعود تسمية البلاد اليونانية ( بالاغريق) الى اسطورة قديمة، تقول ان الالاه بوصيدون الاه البحر أغرق بلادهم.

يبدو ان الالاه لا زال حانقا على البلاد، ساخطا على اهلها متربصا بها فالماء يكاد يغمرها ويغمر اهلها من كل مكان وهي لا تزال تبعث برسائل الاستغاثة من تحت الماء ولكنها لا تتنفس تحت الماء، انها تغرق…تغرق…

زرت البلاد وانا شاب ووقفت بين أعمدة معبد هرقل… .بلد ضارب في القدم ومن اعرق الحضارات. مهد حضارة الغرب والشرق وفضله على العرب والمسلمين لا ينكر ولا ينسى. فقد استفاد العرب والمسلمون بترجمتهم لكتب الاغريق وخاصة كتب المعلم الكبير ارسطو.

زرت البلاد مصحوبا بالدار كما يقولون فكانت رحلة طيبة وفسحة جميلة رسخ منها في ذاكرتي جميلُ الصور والذكريات فلن انسى شوارع أثينا النظيفة العريضة ولا أنسى رحلات البحر على ظهر سفينة « أرتيميس » تشق عباب بحر « الايجي » لنزور جزر اليونان الخلابة وأنغام البزق تصاحبنا، ولو ان بعض الجزر مُنعت عنا قيل ان زوارها من الامريكان خاصة.

لم يكن أحد يتصور ان تؤول الحال في اليونان، بلد سقراط وافلاطون وارسطو بلد الحكمة والمسرح والاشعار و الموسيقى بلد « زبرا الاغريقي » ورقصة « انطوني كوين » الشهيرة المتقمص لدور البطل، الى ما آلت اليه من ضنك العيش وفقر مدقع وافلاس مدمر للبلاد ولهيبتها ولسيادتها.

كُتب الكثير وانكب الكثيرون يفسرون الاسباب ليوجهوا اصابع الاتهام للمتسببين فيه.

ما يهمنا في الامر ان البلد وجد في اشقائه من الاتحاد الاوروبي السند والعون فضخوا الاموال الطائلة و تنازلوا عن الديون الكبيرة حتى يسلم بلد الاغريق من الغرق ويخرج من الورطة التي وجد فيها نفسه.

وبالرغم مما بُذل من جهد الا ان ورطة بلد اليونان ورطة كبيرة والاموال تعز على صاحبها ولو كان بذلها لإعانة شقيق او ذي قربى والرأي الذي انتهى اليه اهل الخبرة والاقتصاد ان المال المبذول لم يعد ينفع ولن يحول في جميع الاحوال دون افلاس البلد.

أفلس بلد اليونان وطفحت على السطح خفايا الأمور: سكاكين تُشحذ وتدافع قوي بالأيادي والارجل للجلوس في اول صف حتى تطال الايادي والسكاكين لحم الضحية المسكين تمزقه وتقتطع منه الجزء الطري السمين.

الاخبار تقول ان بلد اليونان لم يبق منه سوى الاسم بل اصبح اسما بدون مسمى باع البلد او من يسهر على شؤونه الغالي والرخيص ولا زال متماد في بيع الباقي بأرخص الاثمان.

اجتمعت النمور والضباع والنسور وحتى الغربان على الفريسة ودمها ينزف فهؤلاء الالمان قد اقتطعوا جزءا كبيرا و »اشتروا » اكثر من اربعة عشر مطار وهؤلاء الصينيون قد « اشتروا » الموانئ والابحار ولم يبق في البلاد ما يباع غير القصور والشواطئ والاماكن السياحية والهضاب والاودية والسهول والاراضي الفلاحية.

صديقتنا فرنسا لم تنس حظها من الدنيا إذ تحول رئيسها لليونان يتسوق حتى لا تفوته فرصة الشراء واستمعنا في الاخبار انه لن يزور جزر اليونان التي تعج بالمهاجرين فلا يشغل باله مثل هذه الهموم وقد حُمَّت السوق وليس كمثل التجارة المربحة تدخل على النفس البهجة والسرور.

حري ببلدان العرب والاسلام ان تستفيد من مثال اليونان فقد يأتي على الاوطان ما يأتي على الانسان فان ضعف واستكان وزلت به القدم وسقط تحت الاقدام فلا مُغيث ولا مُعين غير ما اذخره من قرش ابيض ليومه الاسود فان كان عن مثل هذا اليوم غافل ولم يفكر فيه تفكير العاقل فان سقط فلا قومة له بعد السقوط ولا قيام له بعد السجود.

مثال اليونان مثال لا يحتذي وحري ان لا يقتدى به فان كثر في البلاد الفساد واستكان اهلها للراحة والتواكل و آثروا حب النفس على حب الوطن وعمل كل واحد لحسابه متغافلا عن مصلحة الجميع كان جميعهم في الحقيقة يدمرون البنيان الذي يأويهم والقلعة التي تحميهم وكان جميعهم يطمرون العين التي تسقيهم ويحرقون الحقول التي تغذيهم حتى تأتي يد من أيديهم المنهافتة بدون ادراك ولا وعي الى حجر سنمار التي أخفى سرها على الانام فتأخذها لينهار كامل البنيان وقد حُم القضاء ولا راد له ولا مُعقب عليه.

فلنتمعن في أقوال المعلم الاكبر ارسطو اذ قال « الديمقراطية حكم المحتاجين وليست حكم أصحاب الاملاك » و » الكرامة ليست امتلاك المفاخر بل استحقاقها » و « من لا يستطيع الحياة في مجتمع او لا يحتاج الا ذلك فإما انه حيوان او الاه. »

ولولا نسى قوم ارسطو حكمة معلمهم ما آل أمرهم الى ما آل اليه والعاقل من اتعظ بغيره وقد رُوي عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قوله  » الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها » . فهل من عاقل حكيم؟