تضخم عدد المترشحين دليل على اخفاق نظام التزكية

تضخم عدد المترشحين للرئاسية دليل على اخفاق نظام التزكية ؟

بقلم محمد علي التقرتي

بلغ عدد المترشحين لمنصب رئيس الجمهورية ما يقارب المائة مترشح. و ان كان الترشح للمنصب حق لكل ناخب او ناخبة فانه من الواضح حتى و لو انخفض عدد المترشحين الى الربع ان العدد ضخم فما هو سبب هذا التضخم الضار بصورة البلاد و بالمسار الديمقراطي و بمصداقية العملية الانتخابية ؟

جاء في الفصل 74 من الدستور » الترشح لمنصب رئيس الجمهورية حق لكل ناخبة او ناخب تونسي الجنسية منذ الولادة دينه الاسلام. « 

على انه و بالرغم من اعلان الدستور ان الترشح للرئاسة حق لكل ناخب او ناخبة فان المشرع اضطر ان يضيف شروطا معينة لتفادي الترشحات العشوائية التي يسعى من وراءها المترشحون كسب الشهرة او المال او يرومون تقويض المسار الديمقراطي بالاستخفاف و الاستهزاء من جدية الموعد.

اوجب المشرع ان يثبت مرشح نفسه للرئاسة ان حظوظه في الفوز بثقة الناخبين جدية حتى لا تتشتت الاصوات والاراء و يتلاشى الاهتمام بالانتخابات و قد لوحظ عادة انه كلما ارتفع عدد المترشحين الا ونقص اقبال الناخبين على الاقتراع و تعالت نسبة الامساك و العزوف و الورقات البيضاء…

احدث المشرع التونسي نظام التزكية لتكون سدا و حاجزا امام محاولات المس بمكانة المنصب و رفعته و لتبقى الانتخابات الرئاسية موعدا هاما وجديا في حياة البلاد و المتساكنين.

ولهاته الاسباب اضاف في الفصل 74 في فقراته الاخيرة  » تشترط تزكية المترشح من قبل عدد من اعضاء مجلس نواب الشعب او رؤساء مجالس الجماعات المحلية المنتخبة او الناخبين المرسمين حسبما يضبطه القانون الانتخابي. »

نظم القانون الانتخابي اجراءات التزكية في فصله 41 الفصل 41 ـ » تتم تزكية المترشّح للانتخابات الرئاسية من عشرة نواب من مجلس نواب الشعب، أو من أربعين من رؤساء مجالس الجماعات المحلية المنتخبة أو من عشرة آلاف من الناخبين المرسمين والموزعين على الأقل على عشرة دوائر انتخابية على أن لا يقلّ عددهم عن خمسمائة ناخب بكل دائرة منها. يمنع على أي مزكِّ تزكية أكثر من مترشّح. وتضبط الهيئة إجراءات التزكية والتثبّت من قائمة المزكّين. وتتولى الهيئة، خلال الأجل المنصوص عليه بالفصل 45 من هذا القانون، إعلام المترشّحين الذين تبيّن تزكيتهم من نفس الناخب أو من شخص لا تتوفر فيه صفة الناخب بأي وسيلة تترك أثرا كتابيا وذلك لتعويضه في أجل 48 ساعة من تاريخ الإعلام، وإلا ترفض مطالب ترشّحهم. »

في تزكية المترشح من طرف الناخبين:

حدد المشرع عدد الناخبين الواجب تجميع تزكياتهم من طرف مرشح نفسه للرئاسة بعشرة الاف ناخب.

يحدد عادة عدد المزكين من الناخبين بالرجوع الى عدد السكان.

تكفي مراجعة قوانين بعض البلدان في خصوص تزكية الناخبين للمترشح للرئاسة لنلاحظ ان عدد الناخبين حدد مثلا بالنمسا بلد الثمانية ملايين ساكن بستة الاف و في فنلندا بلد الخمسة ملايين ساكن بعشرين الف بينما فضلت سلوفاكيا ولها تقريبا نفس عدد سكان فنلندا ان يكون عدد المزكين خمسة عشر الف ناخب. و في لطوانيا بلد الثلاثة ملايين ساكن بعشرين الف ناخب اما البرتغال الذي يقارب عدد سكانه عدد سكان تونس – عشرة ملايين ساكن- فقد حدد عدد المزكين من الناخبين بسبع الاف و نصف ناخب.

نلاحظ ان العدد المطلوب للمزكين غير متوافق عليه و يختلف من بلد لآخر بحسب طبيعة الشعوب و اجتهاد المشرع.

تثير تزكية مرشح نفسه للرئاسة من طرف الناخبين مشاكل عدة تتمثل اولها في صعوبة التثبت من صحة الامضاءات المنسوبة للمزكين و ثانيهما في ان التزكية عن طريق الناخبين تبدو و كانها انتخابات مسبقة او قل انها سبر للاراء مقنع قد يؤثر نشر نتائجه في اختيار الناخبين يوم الانتخابات اذ نعلم ان القوانين عادة ما تحجر نشر نتائج سبر الاراء مدة الانتخابات حتى لا تؤثر على اختيار الناخبين.

رفضت بلدان على غرار فرنسا اعتماد تزكية الناخبين للمترشح للرئاسة بسبب صعوبة التثبت من صحة الامضاءات المنسوبة للمزكين كما سبق ان قلنا و لصعوبة تحديد رقما معينا للعدد الادني من المزكين.

ففي بولونيا مثلا بلد الاربعين مليون ساكن يجب تجميع مائة الف تزكية من الناخبين مرسمين ..وهو عدد كبير يجعل مراجعة وتدقيق التزكيات امر صعب و شاق.

وفي تونس نذكر انه بمناسبة انتخابات 2014 اتهم الكثيرون الهيئة العليا للانتخابات بارتكاب عديد الاخطاء اثناء التدقيق في التزكيات وهى عملية تتم اعلاميا و لا تسلم من الاخطاء فقد تفطن المراقبون بمجرد مراجعة قائمة المزكين المنشورة ان ارقاما لبطاقات تعريف استعملت لاكثر من مرة.

كل هذا بقطع النظر عن الشكوك التي تحوم حول صحة نسبة الامضاءات لاصحابها ..حيث لا تتولي الهيئة التثبت الا من ترسيم الناخب المزكي بقائمة الناخبين و من رقم بطاقات التعريف.

فاذا علمنا ان ارقام بطاقات تعريف المواطنين متوفرة في جميع قواعد بيانات المغازات الكبرى بمناسبة الحصول على بطاقات الوفاء و قواعد البيانات لشركات الاتصال عند ابرام عقود الانخراط و لدى شركات التامين و غيرها علمنا ان هوية الافراد بضاعة متداولة في الاسواق و في متناول كل فرد بالرغم من كل ما تبذله الدولة رسميا لحماية المعطيات الشخصية وهو هدف بعيد التحقق على ارض الواقع.

كل ذلك يجعل من عملية تزكية الناخبين عملية غير موثوق بها وقد تجحف في حق المترشح الجدي و تنصف المترشح المتطفل.

رغبت فرنسا وغيرها من الدول للاسباب التي ذكرنا عن نظام تزكية الناخبين للمترشح للرئاسية للاقتصار على اشتراط عدد معين من تزكيات المنتخبين.

في تزكية مرشح نفسه للرئاسية من طرف المنتَخَبين

ان نظام تزكية المترشح للانتخابات الرئاسية من طرف المنتَخَبين دون الناخبين وان كان يمثل تفوقا على اجراءات التزكية من طرف الناخبين لسهولة التثبت من هوية و امضاء المزكي الا انها ايضا موضع انتقاد جدي من طرف الكثيرين.

فالتزكية من طرف المنتخبين النواب في مجلس الشعب تجعل من الفائزين في الانتخابات السابقة اوصياء على ارادة الشعب حيث لا يامن ان تكون تزكياتهم مملاة بدواعي حزبية لا يراعى فيها مصلحة البلاد.

والتزكية من طرف المنتَخَبين النواب تقلص حظوظ المترشحين المستقلين ممن لا تمثيل لهم في البرلمان.

و يعيب التزكية عن طريق النواب عيوب كثيرة اولها طول المدة النيابية و تمييز القانون بين منتَخَبين من الدرجة الاولى صنف « أ » و غيرهم من من المنتخبين من درجة دنيا..صنف « ب »…

طول المدة البرلمانية

من خصوصيات الرزنامة الانتخابية ببلادنا ان التزكية للانتخابات الرئاسية تتزامن مع انتهاء المدة النيابية بمجلس الشعب او انها اوشكت على الانتهاء و المدة النيابية في البلاد طويلة اذ تمتد لخمس سنوات ثقال لا يقع اثناءها كما هو الشان بالنسبة لكثير من بلدان العالم تجديد الثقة في البرلمانيين و لو جزئيا ففي الارجنتين مثلا ينتخب البرلمانيون لمدة ست سنوات و يقع تجديد النصف كل ثلاث سنوات و في البرازيل حيث تمتد المدة النيابية لمدة ثماني سنوات يقع تجديد الثلثين كل اربع سنوات و في الولايات المتحدة الامريكية ينتخب البرلمان لمدة ست سنوات يقع تجديد الثلث كل سنتين.

حدد المشرع المدة البرلمانية بخمس سنوات و هى مدة طويلة بالنظر لعدم تجديد اعضاء مجلس الشعب اثناء كامل المدة مما يجعل مرآة مجلس الشعب ضبابية في عكسها لارادة الشعب و التمثيل ضعيف زمن التزكيات.

و قد راينا ان الحزب الفائز في الانتخابات التشريعية لسنة 2014 سرعان ما تلاشى واختفى في اول فترات المدة البرلمانية و بقى البرلمان حلبة للصراع بين النواب دون تحكيم من الشعب الذي لم تتوفر له الفرصة لحسم النزاع مما شجع على تكوين الكتل و تلاشيها بنفس السرعة التي تكونت بها و مما شجع على السياحة البرلمانية التي عصفت بمصداقية مجلس الشعب و النواب على حد السواء و مما عطل بعث مؤسسات الدولة و منها المحكمة الدستورية و اصبح البرلمان يعمل بمبدأ التوافق فيما بين الكتل ضعيفها و قويها دون الاحتكام الى الشعب الذي بقي آخر من يعلم و آخر من يستشار.

طرأ إذا و لا شك على آراء الجمهور ما طرأ من تغيير منذ انتخاب النائب المطالب بتزكية المترشح للرئاسة بل ان النائب نفسه اصبح في حاجة للتزكية إذ دُعي الناخبون لتشريعية جديدة و حُدد تاريخ الاقتراع.

حُق للمواطن ان يشكك في صحة تزكية النائب لمرشح الرئاسية و لسان حاله يقول  » من تزكي يا من تستحق و تنشد التزكية لنفسك ؟ »

التمييز بين المنتَخَبين

و اخيرا وليس آخرا فان الفصل 41 من القانون الانتخابي ميز بين المنتَخَبين المزكين حيث وجب عدم التمييز.

فاعتبار تزكية النائب بمجلس الشعب بالف تزكية صادرة عن المواطن العادي واعتبار تزكية النائب بمجلس الشعب باربع تزكيات صادرة عن غير النواب من المنتخبين فيه ما يمجه الذوق و ما يفجع الوجدان بل قل ان فيه ما يتعارض و منطوق الفصل 21 من الدستور من ان المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات وهو و لاشك يعكس نرجسية في غير محلها من طرف النواب بمجلس الشعب.

فالمنتخبون من طرف الشعب متساوون في الثقة التي منحها اياهم الشعب وجميعهم يمثلونه و يعكسون رغباته اما القول ان النائب يمثل كل الشعب بينما لا يمثل المنتخب المحلي الا الجهة التي انتخبته فكلنا نعلم ان الامر لا يزيد على ان يكون ميثولوجيا دستورية او قل كذبة قانوينة ليس لها ما يقابلها في الواقع فقد راينا من النواب من فاز في الانتخابات ب284 صوت من جملة 1325 مقترع !

نحن نرى ان القانون الفرنسي مثلا لا يميز بين المنتخبين و يشترط على مرشح نفسه للرئاسة تزكية خمسمائة منتخب سواء اكان منتخبا محليا او في البرلمان او في البرلمان الاوروبي…

الراي عندي ان لا يفرق المشرع بين المنتخبين فيحدد عددا معينا من المنتخبين سواء اكانوا من النواب او من رؤساء المجالس المحلية و بذلك و نظرا لعدم تزامن الانتخابات المحلية مع الانتخابات الرئاسية و التشريعية يكون راي المنتخبين المحليين و ميولهم و اختياراتهم الاقرب الى اهتمامات الشعب بالنظر الى تاريخ انتخابهم فلا تنحصر التزكية في النواب خاصة.

ان عدد التزكيات الواجب تجميعها من طرف النواب ضعيف و لا يزيد على اصابع اليدين و لا يمكن ان يمثل بالتالي عائقا جديا دون ترشح الكثيرين لمنصب رئيس الجمهورية.

فشل نظام التزكية في ضمان جدية الترشح لمنصب رئاسة الجمهورية مما سينعكس سلبا على اهمية الموعد و جدية العملية الانتخابية و على اهتمام الناخبين واقبالهم على مكاتب الاقتراع و قد تهتز له صورة البلاد في الداخل و الخارج.