تعليقا على بيان لوزارة العدل

تعليقا على بيان لوزارة العدل

بقلم محمد علي التقرتي

 

مرة أخرى احظى بالرد عن سؤال وضعته في مقال سابق حول دور النيابة في صورة توصلها بتظلم من متقاض ضد قاض فشكرا للجميع.

لم يكن في الرد أي لوم أو عتاب و شكر لي مخاطبي ما اسعى إليه  و اراد ان يكون حديثه في القانون و لا شيء غيره.

بل صارحني الغير بشيء من الهزل الذي لا يخلو من الجد انه لولا انني « محام متقاعد » لما حدثني بما حدثني به… و المجالس بالامانات..

لم اكن اعلم ان للتقاعد مزايا تذُكرالى حد تلك اللحظة..و انا سعيد ان احظى بثقة الجميع قضاة ومحامين…فشكرا مرة اخرى للجميع.

و افتتحنا الحديث بتلاوة البيان الرسمي الصادر عن وزارة العدل بتاريح 12 اوت 2018 في الموضوع و الاتي فحواه و الذي سنبدا بالتعليق حوله قبل ان نبدا في سرد اقوال مخاطبي.

 » تبعا لما تداولته بعو ض الجهات بشان ملفات فساد منسوبة لبعض القضاة الذين كانوا محل تظلم او تشكي من المتقاضين، فان الوزارة تؤكد استنادا للتقرير المحرر من طرف المتفقد العام بوزارة العدل ما يلي:

اولا-كلما ترد على الوزارة شكايات و عرائض صادرة عن المواطنين موضوعها التظلم من سلوك او اعمال القضاة تتولى التفقدية العامة بالوزارة التحري فيها بسماع الشاكي و القضاة و تفحص مؤيدات الشكاية ».

و تصدر التفقدية على ضوء ذلك تقريرا يتضمن مقترحاتها بخصوص مآل الشكايات التي تنتهي في اغلب الاحيان بالحفظ لتجردها.

وعندما يقوم الدليل فان القاضي المشتكى به يكون موضوع احد القرارات التاديبية المنصوص عليها بالقانون الاساسي للقضاة ».

و اضاف البيان ان وزارة العدل لا تعتمد الشكايات المجهولة المصدر و لا تبحث فيها الا بافصاح الشاكي عن هويته ».

تجدر الاشارة الى ان بلاغ وزارة العدل تحدث عن الشكايات التي ترد على الوزارة و لم يتعرض لتلك التي ترفع للجهات الاخرى كالشرطة او النيابة العمومية او هيئة مكافحة الفساد …او للمحامين و التي يصعب التثبت من مآلها…

و تجدر الاشارة الى ما ورد في  مجلة الاجراءات الجزائية من ان  « على مأموري الضابطة العدلية المعينين بالعددين 3 و4 من الفصـل 10: أوّلا : أخبار وكيل الجمهورية لكل جريمة بلغهم العلم بها أثناء مباشرة وظيفتهم »   

و من ضمن تلك الجرائم و لا شك تلك التي تتعلق بما قد تكون من فعل قاض كما ان المحامي الذي هو شريك في اقامة العدل مطالب في نظرنا للتبليغ على مثل هذه الافعال اذا ما حصل له علم بها.  

نلاحظ ان الوزارة لم تتعرض الا الى الافعال التي يمكن مؤاخذة فاعلها تأديبيا و هي غير الافعال التي تستحق عقوبة جزائية فالافعال التي تستحق التاديب لا تخضع لمبدا شرعية الجرائم و العقوبات و هي افعال تراها الوزارة مخلة بشرف المهنة و ليست بالضرورة من الافعال التي تقتضي عقوبة جزائية…

عديدة هي القرارات التعقيبية التي تبين الفوارق الكببرة الموجودة بين التاديب و الزجر الجنائي

 

اداري عدد 827 مؤرخ فى 24/05/1985 – لا تصطبغ الدعوى التأديبية بالوصف الجنائي و لا ترتبط بمصير التحقيق الجزائي و انما تبحث في سلوك الموظف و في مدى اخلاله بواجبات الوظيفة .

مدني عدد 45875 مؤرخ فى 23/01/1995 إن الخطأ التأديبي مستقل عن الخطأ الجزائي ولا تلازم بينهما، ولذلك فإن تطبيق مبدأ الجزائي يوقف النظر في المدني أمر إختياري بالنسبة للمجالس والهيئات التأديبية

مدني عدد 54291 مؤرخ فى 26/09/1996 إن الخطأ المهني يختلف جوهريا على الخطأ الجزائي فالفعل الواحد قد يكون خطأ مهنيا صرفا ويكون خطأ مزدوجا مهنيا وجزائيا وبناء على ذلك، فإن حفظ التتبعات

الجزائية لعدم كفاية الحجة أو إنتفاء الركن المكون للجريمة لا ينفي عن تلك الأفعال كونها خطأ مهنيا.

مدني عدد 70115 مؤرخ في 29/11/1999 إن خطأ محكمة الموضوع في تكييف الدعوى وتحديد القاعدة المنطبقة عليها هي صورة من صور الخطأ في القانون المعرف فقها بأنه ترك العمل 

بنص قانوني لا يحتمل التأويل أو الخلاف في وجوب الأخذ به وبناء عليه يتجه الحكم على ذلك الخطأ في القانون ومعنى هذا أن يقوم قضاء القاضي على هذا الخطأ هو العلة المؤثرة في ذلك القضاء.

فمن الواضح اذن ان تخلي القاضي الجزائي لفائدة التتبع التاديبي فيه خلط        و خرق للقانون و تخل عن واجبات العمل من طرف النيابة.

و علي صعيد آخر فان بيان الوزارة اكد ان معظم الشكايات  تنتهي بالرفض لتجردها و هو امر و لا شك صحيح و نقف على مثل هذه الظاهرة بالنسبة للشكايات ضد المحامين و لكن اثبات الخطأ في جانب القاضي يصعب في اغلب الاحيان و يبقى بين ايدي الوزارة و التفقدية مؤشرات يمكن اعتمادها و لو لم يقدم المتقاضي اي اثبات  و نعنى بذلك اخلال القاضي بامرين اساسيين:

الاول يتعلق بالخطأ الواضح، و الشبه متعمد، في تطبيق القانون الصريج       و هي الحالة التي عنتها محكمة التعقيب في قرارها التالي:

مدني عدد 70115 مؤرخ في 29/11/1999 إن خطأ محكمة الموضوع في تكييف الدعوى وتحديد القاعدة المنطبقة عليها هي صورة من صور الخطأ في القانون المعرف فقها بأنه ترك العمل
بنص قانوني لا يحتمل التأويل أو الخلاف في وجوب الأخذ به وبناء عليه يتجه الحكم على ذلك الخطأ في القانون ومعنى هذا أن يقوم قضاء القاضي على هذا الخطأ هو العلة المؤثرة في ذلك القضاء.

و ثانيهما تفادي تعليل الحكم او تعليله بما لا يستسيغه المنطق و الا القانون وهي الحالة التي عنتها محكمة التعقيب في قرارها التالي :

مدني عدد 75466 مؤرخ فى 31/01/2000 إن تعليل الأحكام وإن كان يتطلب من القضاة جهدا كبيرا فضلا عما يستنفذه من وقت إلا أنه يبقى شرطا لازما لصحة الحكم ولذلك لا يكفي
لقيام الحكم الأسباب المبهمة أو المجملة أو التي لا تقنع المطلع عليها بعدالة الحكم ومن ثمة يجب تعليل كل حكم يصدر بصورة صريحة.

و اخيرا فان الوزارة تمتنع عن تفحص و البحث في الشكايات التي لا يفصح فيها الشاكي عن هويته و هي معظم الشكايات و لا ندري مدى تاثير معرفة هوية الشاكي على مضمون الشكاية و صحة الوثائق المدلى بها و صحة الوقائع المذكورة.

فالشكايات مجهولة المصدر معتمدة في جميع الابحاث و لا تاثير لهوية الواشي على البحث  و البراءة او الادانة الا نادرا و ظننا ان الوزارة ارادت ان تتفادى بهذه الطريقة الوشايات التي يراد من وراءها التنكيل و الانتقام من القاضي العادل و لكنها في الوقت نفسه توفر حصانة للقاضي الفاسد حيث ان الكثير من المتقاضين يخشون  انتقام القاضي في صورة تبرءة ساحته كما يخشون عن غير حق و لا شك تالب بقية القضاة ضدهم تضامنا مع زميلهم المشتكى به فيجد المتقاضي نفسه مضطرا الى اخفاء هويته. فعلى الوزارة ان تقبل بالشكاوى المجهولة المصدر و تبحث في جميعها و ترفض منها ما هو مجرد و تعتمد ما هو ثابت و مؤيد..فالعبرة بفحوى الشكاية و مدى صحة ما جاء فيها و خطورة الفعلة و ليس بهوية الشاكي..

و بعد تلاوة بيان الوزارة قال مخاطبي ما ملخصه:

 إعلم أن تظلم المتقاضي  من افعال القاضي امام غيره من القضاة لا يرقى ان يكون شكاية تستحق سعيا من النيابة و قرارا تتخذه بالحفظ  أو الاحاله على المجلس أو على التحقيق.

و هو، أي التظلم، و الحديث دوما لمخاطبي، لا يرقى الى ان يكون اعلاما بالجريمة يستدعي عملا ما من النيابة بل نعتبره مجرد « لفت نظر »..

فاذا ما لفت المتقاضي نظرنا الى ما يعتبره من أعمال القاضي جرما يستحق التتبع ننظر في العريضة فاذا كانت الافعال متصلة باداء القاضي لوظيفه ننظر اذا كان التقصير نتيجة سهو أو سوء تنظيم اداري  فاذا كان الأمر غير ذلك،  وتعمد القاضي الخطأ،  تتولى النيابة رفع الأمر للتفقدية التي تبحث فيه           و تحيله الى المجلس الاعلى  للقضاء و له و حده سلطة رفع الحصانة و الأذن بالتتبع. 

و اذا كانت القضية مدنية فان ليس للنيابة ان تنظر في اصل النزاع و الا في وجاهة الحكم الصادر و مدى احترامه للقانون.

ان سلطة النيابة في صورة تمتع الجاني بالحصانة، و الحديث دوما لمخاطبي، سلطة مقيدة تنفذ الاوامر الصادرة لها من المجلس الاعلى للقضاء أو من رئيس مجلس النواب.

و كذلك الأمر بالنسبة للمحامين فالنيابة لا تستطيع ان تفعل شيئا و يبقى الأمر بيد الوكيل العام دون غيره.

عند هذا الحد انتهى حديث مخاطبي الذي أكد لي مجددا ان لا مانع عنده ان يحظى هذا الموضوع باهتمام الجميع و أن تقول فيه الدوائر الرسمية قولها النهائي و البات.

 اقول ان الوزارة لم تستعمل عبارة « لفت نظر » باعتبار ان التظلم و التشكي بالقاضي المخل بواجبه،  حق للمتقاضي  و واجب على الجهة التي اتصلت بالشكاية  او التي حصل لها العلم للتبليغ عنها.

و يفيد فعل ‘لفت ‘ لغة  ليً الشيء  و ثنيه الى اليمين او الى الشمال و صرفه عن وجهته الاصلية و لفت النظر اي صرف النظر عن وجهته العادية و دفعه للنظر في اتجاه معين و هو تنبيه للشخص للنظر الى او في امر معين.

من ذلك ما جاء في المجلة الجنائية في الفصل 226 مكرر الذي اضيف بالقانون عدد 73 لسنة 2004 المؤرخ في 2 اوت 2004

« يعاقب بالسجن مدة ستة أشهر وبخطية قدرها ألف دينار كل من يعتدي علنا على الأخلاق الحميدة أو الآداب العامة بالإشارة أو القول أو يعمد علنا إلى مضايقة الغير بوجه  يخل بالحياء.

ويستوجب نفس العقوبات المذكورة بالفقرة المتقدمة كل من يلفت النظر علنا إلى وجود فرصة لارتكاب فجور وذلك بكتابات أو تسجيلات أو إرساليات سمعية أو بصرية أو الكترونية  أو ضوئية. »

من ذلك ايضا ما جاء في الفصل 725 من المجلة التجارية  » على البنك أن يتأكد من صحة مطابقة الوثائق لتعليمات الآمر.

إذا رفض البنك أن يتلقى الوثائق وجب عليه أن يبادر في أقصر الآجال بإخطار الآمر بهذا الرفض وإلفـات نظره إلى الخلل الذي وقف عليه. »

استعمل المشرع عبارة « لفت النظر » بمعنى « تظلم او تشكي او وشاية » في الفصل 270 من المجلة التجارية حيث جاء

« مع مراعاة أحكام الفصـل السابق يكون مراقبو الحسابات وكذلك مساعدوهم والخبراء ملزمين بعدم إفشاء السر المهني بخصوص الوقائع والأعمال والمعلومات التي يحصل لهم العلم بها بسبب مباشرتهم لمهامهم. 

ويجب على مراقبي الحسابات أن يلفتوا نظر الجلسة العامة إلى ما وقفوا عليه من إخلالات بالتراتيب أو أشياء غير صحيحة خلال تأدية مهامهم. 

وهم مطالبون أيضا بإعلام وكيل الجمهورية بما يبلغ إلى علمهم من أفعال مكونة لجرائم دون أن يترتب عن ذلك أية مسؤولية من أجل إفشاء السر المهني. ».

و المهم في هذا الفصل ان « لفت النظر » يكون لجهة مختصة لاخذ القرارات     و هي « الجلسة العامة » و استعملت مرادفة للفظ « الاعلام » حيث ان على المراقبين لفت نظر الجلسة العامة و اعلام وكالة الجمهورية بما بلغ الى علمهم من افعال.

اما في فقه القضاء فاننا و جدنا استعمالات عديدة « للنظر » منفردا او مقرونا ب »قطع النظر » او « صرف النظر » او « لفت النظر عن الامر » و ليس الى الامر.

مدني عدد 75449 مؤرخ فى 25/05/2000 طالما ان المعقب استند في اثبات اصل الدين الى كشوفات مستخرجة من دفاتره التي هي وثائق قانونية ممكنة الاعتماد تطبيقا للفصل 11 والفصل 598 سادسا من المجلة التجارية ، فان المحكمة لما لفتت النظر عنها ولم تستقص الحقيقة حول ما يدعيه الطاعن ثبوتا او نفيا وتقيم تعليلها على اساس ثبوت اصل الدين وقيامه        او على عدم ثبوته واكتفت بتبني مستندات الحكم الابتدائي فان حكمها يكون حينئذ مشوبا بضعف التعليل وخارقا للقانون وعرضة للنقض.

مدني عدد 60258 مؤرخ فى 24/09/1997

« إثارة المطعن لأول مرة أمام محكمة التعقيب يفضي إلى لفت النظر عنه. »

فلا وجود في مجلة الاجراءات الجزائية و في القانون الجزائي اجراء تحت عنوان « لفت نظر ».

اما في مجلة الاجراءات الجزائية فقد اقتضى الفصل 30 من المجلة   « وكيل الجمهورية يجتهد في تقرير مآل الشكايات والاعلامات التي يتلقاها أو التي تنهى إليه. »

و نلاحظ ان الاعلام يوازي في الفصل 30 الشكاية و مرادف لها و يطالب       و كيل الجمهورية بالاجتهاد و تقرير مآله مثله مثل  الشكاية.

و جاء بالفصل 194 من نفس المجلة استعمال للشكاية باعتبارها مرادفة للوشاية.

« يمكن أن تسلّم للخصوم على نفقتهم الخاصّة : 1) نسخة من الشكاية              أو الوشاية »

و جاء في الفصل 13 من نفس المجلة استعمال للشكاية مرادف و في نفس معنى « تقرير و اعلان « 

على مأموري الضابطة العدلية المعينين بالعددين 3 و4 من الفصـل 10: أوّلا : أخبار وكيل الجمهورية لكل جريمة بلغهم العلم بها أثناء مباشرة وظيفتهم وإحالة ما يتعلق بها من الإرشادات والمحاضر. ثانيا : تلقي التقارير والإعلانات والشكايات المتعلقة بتّلك الجرائم.

و كذلك جاء في الفصل 19 من المجلة الجزائية استعمال لفظ الشكاية مرادفا للفظ الاعلان:

« الشكايات والإعلانات والمحاضر توجّه فورا من طرف مأموري الضابطة العدلية الذين تلقوها إلى وكيل الجمهورية. »

يبدو اذن جليا من كل ما سبق ان تكييف « الشكاية » الصادرة من متقاض ضد قاض لوكالة الجمهورية باعتبارها مجرد « لفت نظر » لا يستقيم و هي اعلام  او اعلان او تقرير او وشاية  بحسب المرادفات المستعملة من طرف المشرع و تخضع جميعها للفصل 30 من مجلة الاجراءات الجزائية و على النيابة العمومية ان « تجتهد في تقرير مآلها » اذ ان وصفها بكونها « مجرد لفت نظر » لا يغير في طبيعتها و لا في الواجبات المحمولة على النيابة  شيئا.