خواطر  قانونية حول مشروع تنقيح بعض فصول مجلة الاحوال الشخصية المتعلقة بالإرث.

خواطر  قانونية حول مشروع تنقيح بعض فصول مجلة الاحوال الشخصية المتعلقة بالإرث.

بقلم محمد علي التقرتي

لا شك ان الزملاء من محامين و قضاة و أساتذة جامعيين تفطنوا لما يثيره مشروع تنقيح بعض الفصول  لمجلة الاحوال الشخصية المتعلقة بقواعد الارث من مسائل و نقاط استفهام قانونية..

والسؤال الاول الذي يطرح نفسه حسب رأي هو التالي:

ما هي الاسس الفقهية التي اعتمدها المشروع و ما هي الآثار القانونية التي ستنجر عنه في صورة اقراره؟

 الاسس الفقهية:

أكد المشروع انه يبقى للمورث حق اختيار  القانون المنطبق، المبدأ القديم او الجديد المبني على المساواة،  لقسمة تركته من بعده بين ورثته كلما اجتمع بين الورثة ذكر وانثى.

على انه حسب ما نعلم ليس للمورث، بحسب مجلة الاحوال الشخصية في صيغتها الحالية على الأقل، الحق في المساس بقواعد الإرث و لا تغييرها زيادة او نقصانا لفائدة احد من الورثة لأنها قواعد ملزمة تهم النظام العام  .

لم يسمح القانون للمورث بالتحكم في قسمة تركته من بعده إلا عن طريق الوصية.

و للتذكير فان للوصية شروطها وقواعدها فهي اولا و  كما يعلم الجميع لا تصح لوارث و لا يمكن ان تتجاوز الثلث كما هي تشترط القبول من طرف المستفيد فان رفضها فلا تصح الوصية.

ويتبين من مشروع التنقيح ان المستفيدات من الزيادة في منابهن، وهن البنت والاخت.. من الورثة…فلا تصح الوصية لفائدتهن الا بإجازة الورثة كما ان لا شيء في مشروع القانون يوحي بشرط قبول المستفيدات من الامتناع عن التصريح بما سينجر لفائدتهن من زيادة في منابهن  و لان للوصية صيغ شكلية لا بد من احترامها فلا يجوز اعتبار سكوت المورث من باب الوصية.

ولمعترض ان يقول ان الامتناع عن التصريح بالتمسك بقاعدة للذكر مثل حظ الانثيين يشبه في صيغته وآثاره الوصية الواجبة حيث يفهم من سكوت المورث نيته في انتفاع أحفاده و حفيداته من اولاده ذكورا واناثا بنصيب من التركة.

 الفارق كبير بين الامرين فالمورث في الوصية الواجبة لا يملك ان لا يستفيد الاحفاد من مناب والدهم او والدتهن كما لو كان او كانت حية. فالمورث لا حق له في زيادة او نقصان مناب الورثة و سكوته كعدمه لا يغير شيئا من الامر بينما يؤثر الممتنع عن التمسك بقاعدة للذكر مثل حظ الانثيين بسكوته في قسمة التركة و نصيب كل واحد من الورثة.

و قد يقال ان المورث لا يؤثر على قسمة التركة  بل ان ذلك يكون بقوة القانون و بمفعول قرينة التخلي عن المطالبة بتطبيق المبدأ القاضي بالقسمة وفقا لمبدأ للذكر مثل حظ الانثيين، قرينة يستمدها مشروع القانون من امتناع المورث و سكوته.

و الجواب على هذا القول سهل فإذا كان لا يمكن للمورث التأثير على الفروض و الانصباء بإرادته الواضحة و المصرح بها فكيف له ان يقوم بذلك بمجرد امتناعه عن الفعل؟  ثم ان المورث « يختار »، بحسب ما يفهم من المشروع، القانون المنطبق فان كان الامر على حسب ما فهمنا  فهو لا محالة يؤثر في قسمة التركة بقوة ارادته وليس بقوة القانون التي تأتي في المقام الثاني وتبقى خاضعة لإرادة المورث.

نعلم جميعا ان القوانين نوعان فيها ما هو ملزم لا يمكن للأفراد عدم تطبيقها وقوانين اخرى لا تهم النظام العام يمكن للأفراد تجاوزها وعدم الاخذ بها.

ان مجال النوع الاخير من القوانين مجال معين و هو المجال التعاقدي حيث يسود مبدا حرية الارادة  و تتلخص في ان ما اتفق عليه الطرفان يكون مقام القانون بينهما. وحتى يتفادى الطرفان تطبيق القواعد القانونية الغير ملزمة وجب عليهما ان يصرحا بذلك صراحة او ضمنيا في العقد.

اما المواريث فهي تتعلق بالنظام العام و لا دخل لإرادة الاطراف من وارث     او مورث.

الاسس الفقهية لحرية ارادة المورث في تحديد الورثة و نصيب كل واحد منهم غير واضحة في مشروع القانون اذ راينا ان مجلة الاحوال الشخصية قد اعتبرت قواعد الإرث من القواعد التي تهم النظام العام.

كما ان الفقه الاسلامي لا يخول للمورث حق التحكم في تحديد الورثة و لا تحديد نصيب كل وارث باعتبار ان قواعد الارث قواعد جوهرية ملزمة.

بل ان احكاما فقهية تبطل اعمال المورث كلما استروح من اعماله نيته في حرمان احد الورثة من التركة كطلاق الزوجة في مرض الموت او البيع          و الهبة و التفويت لاحد الورثة في مرض الموت…

أما فقه القضاء التونسي فانه كرس المبادي الفقهية  حيث قرر ان المورث يفقد حق التحكم في تركته و « ان حق الورثة قد تعلق بالتركة منذ ان يلم المرض الاخير، وهو المرض المفزع المؤدي للموت » بالمورث.

فمن الثابت فقها و قضاء انه في فترة ما من حياة الانسان وعادة ما تكون المرحلة الاخيرة فان حقوق الورثة تتعلق بالتركة قبل حتى ممات المورث من ذلك اعتبار بعض اعمال المريض في آخر موته من باب المحاباة لفائدة احد الورثة بالبيع او بالهبة و هي اعمال  قابلة للإبطال.

فاذا كان المورث و في فترة من حياته يفقد القدرة على التحكم في امواله        و تركته فكيف له ان يفعل ذلك بعد مماته بمجرد امتناعه عن التصريح بتمسكه بقاعدة قانونية لا زالت نافذة المفعول؟

اذا كان للمورث الحق في التصرف في التركة من بعده عطاءا و حرمانا بحسب المشروع المقدم  فوجب اذن التسليم بصحة اعمال المريض في آخر حياته واعتبارها  اعمالا صحيحة الا اذا شابها عيب من عيوب الرضا.

و الحقيقة ان مقولة ان المورث هو من يحدد من سيرثه من بعده و فرض كل واحد من التركة انما هي مقولة قديمة جاء بها القانون الروماني باعتبار ان حق الاب حق مطلق يفعل بأولاده ما يشاء كما يفعل الملك برعيته ما يشاء يهب لمن يشاء و يحرم من خيره من يشاء.

وللعلم ان القانون الفرنسي وفي قرون النهضة رأى الرجوع الى المنبع و الى العصر الذهبي فطبق قواعد القانون الروماني  و منح الاب الحق في تقرير مصير تركته من بعده فكان نصيب البنت في اغلب الحالات الحرمان و كان ان اعتبرت  المرأة قاصرة لا تتصرف في اموالها الا بإذن من زوجها او بإذن من الحاكم.

أسس المشروع الفقهية تبدو لنا هجينة مستوردة و لا تتناسق مع بقية نصوص التشريع التونسي  و يبدو المشروع و كانه عملية زرع للأعضاء..

الآثار القانونية

 اما آثار المشروع القانونية فانه وجب التسليم اولا  بان  مشروع القانون ان أُقر سيحدث استثناء هاما يخول بمقتضاه للمورث تغيير قواعد الارث طالما امكن له بامتناعه وعدم مطالبته بتطبيق قاعدة القسمة الغير متساوية التأثير على انصباء المستحقين.

ثم ان سحب صفة النظام العام عن قاعدة للذكر مثل حظ الانثيين سيكون له تأثيره على بقية قواعد الارث المتعلقة ببقية الفروض وبالتعصيب.

 فكيف يمكن السماح للمورث بالتأثير على نصيب الذكر و الانثى اذا اجتمعا في التركة و ان لا نسمح له بالتأثير على بقية الانصباء فإما ان تكون قواعد الإرث تهم جميعها النظام العام او انها لا تهم النظام العام و قد تُركت لحرية ارادة المورث.

ثم ان الامر سيمتد لقواعد البيع و التفويت في مرض الموت و الطلاق في مرض الموت والى جميع الاعمال التي يراد بها حرمان وارث بصفة كلية أو جزئية فتصبح جائزة صحيحة طالما كانت ارادة الهالك سليمة.

ثم ان اعتبار قواعد الارث و لو جزئيا وفي خصوص توريث الذكر و الانثى خاضعة لإرادة المورث الضمنية سيجعل من هذه الارادة هدفا سهلا للتشكيك في صحتها والمحاكم مجبرة  ان دُعيت للتحقق من خلوها من كل عيب من العيوب المتعلقة بالرضا ووجب عندها على المحاكم البحث في صحة « اختيار » المورث بصدوره عن ارادة سليمة حرة دون غلط ولا إكراه.

هذا اذا ما كانت الوفاة طبيعية اما اذا كانت الوفاة فجأة كالوفيات اثر حادث فلا يمكن اعتبار سكوت المورث اختيارا منه لصيغة من الصيغ المقترحة لقسمة تركته وقواعد العدل والانصاف تجبر المحاكم على البحث في سيرة المورث ، رحلا كان او امراة ، و ورعه و تقواه و وقيامه بشعائر الدين او على العكس حول معتقداته ونواياه و سيرته الخاصة وهو بحث يمجه الذوق السليم و تأباه الشرائع   و يمس لا محالة بحرية المعتقد ، كل ذلك حتى ترجح المحاكم موقفا للمورث دون الآخر و تقضي بتطبيق قاعدة قانونية دون الاخرى في قسمة التركة.

و لا يفوتنا أخيرا ان نلاحظ ان مشروع القانون وقد جاء يدافع عن المرأة لم يترك لها حق الاختيار فالمورث ذكرا او انثى يختار القانون المنطبق دون ان يكون قبول الوارثة المستفيدة شرطا من شروط تطبيق هذا القانون او ذاك.

ان جل ما اثرنا من ملحوظات  ناتج عن خطأ وقعت فيه اللجنة المقترحة للقانون. 

فالمشروع ولد مصاب بعاهة مستديمة ذلك ان قواعد الارث تهم النظام العام وهي ملزمة تطبق على الجميع بدون استثناء ولا يمكن ان تترك حرية الاختيار للافراد في مجال يهم النظام العام.

فاما ان نعتبر قاعدة  للذكر مثل حظ الانثيين قاعدة غير اخلاقية و لا تتماشي مع الدستور و لا مع المبادئ العامة لحقوق الانسان فتلغى القاعدة اساسا ونعمل بمبدأ المساواة دون ان يكون  للمورث دور في ذلك.

او ان نعتبر ان قاعدة للذكر مثل حظ الانثيين جزء لا يتجزأ من القانون التونسي و لا يمكن المساس بها.

اما ان تتخلى الدولة و السلطة عن دورها و تترك حرية الاختيار للأفراد فهو امر لا يستساغ قانونا ومن شانه تشيع الناس طوائف و فتح باب للفتن وللفوضى. 

دور السلطان فصل الكلام وحسم الامر في اتجاه او في آخر على ان يكون ذلك بأكبر قدر من الاجماع  فيكون سببا للوحدة  و لم الشمل و لا للتفرقة والفتن.

و مهما يكن من أمر فان السلط الحاكمة، ونحن على باب سنة انتخابية،  قد استنفذت مشروعيتها الانتخابية. 

اقرار المشروع في مجلس الشعب  او رفضه سيان فالقرار سيصدر في كل الاحوال عن هيئة  تآكلت شرعيتها فالمجلس والرئيس مدعوون لطلب ثقة الشعب من جديد  في بضع شهور وكان من الاحرى على أقل تقدير ان يقدم المشروع ضمن برنامج انتخابي فان فازت الكتلة التي تقدمت به كان ذلك ضمنيا قبول من الأغلبية بالمشروع  كل هذا احتراما لقواعد اللعبة الديمقراطية ولروح الدستور ومبادئ القانون الدستوري.