في تظلم المتقاضي ضد القاضي امام القاضي

في تظلم المتقاضي ضد القاضي امام القاضي

بقلم محمد علي التقرتي

 

سررت ايما سرور عندما علمت ان المهتمين و الساهرين على شان القضاء في بلادي مهتمون ومتابعون لما انشر .

قيل لي في شيء من اللوم والعتاب ان ما نشرته اخيرا في مقال « على المحاكم ان لا تخطأ » فيه اخطاء قانونية فادحة و تمنى مخاطبي في شيء من التهكم اناكون مخطئا و لست خاطئا… »

و في ظني انه اسر في نفسه اني من الخاطئين و الله اعلم بالسرائر.

ذلك ان مخاطبي اكد لي ان ما جاء في المقال من ان « ليس من حق العدالة ان تكون خاطئة فيكيل الوكيل، ذاك الذي انابه المجتمع عن نفسه، بمكيالين مكيال لسائر المتقاضين و مكيال للمقربين : زملاء و اهلون. »

و ان « ليس من حق الوكيل ان عبس و تولى ان جاءه من يشتكي القاضي       و الزميل فعنه تلهى و توارى عن الانظار و اختلق الاعذار و داري الوثائق   و الاسفار.’

فيه مغالطة و هو على كل حال لا يستقيم قانونا.

فبحسب مخاطبي ليس لوكيل الجمهورية و لا لاي سلطة قضائية ان تنظر في الشكاوي المرفوعة ضد القضاة.

بل اكثر من ذلك ليس لاي متقاض الحق في تقديم شكوى لوكالة الجمهورية ضد قاض و لو كان ذلك كما يقول مخاطبي « بسبب جنحة او جناية ».

ويضيف مخاطبي ان « من حق وكيل الجمهورية ان يرفض مثل تلك الشكاوى اذا رفعت امامه و لا ينظر فيها ».

و يضيف مخاطبي ان حق وكيل الجمهورية او من ينوبه في عدم الالتفات للشكاوى المرفوعة ضد زملاءه من القضاة حق مطلق يعارض به كل المتقاضين و الناس اجمعين و جميع رؤساءه من القضاة الاعلى منه درجة    و ان ذلك لا يعد منه امتناعا عن القضاء و لو صدرت له الاوامر من رؤساءه للنظر في الشكوى« .

و بحسب مخاطبي فان هذا المبدأ نتيجة حتمية لمبدأ حصانة القاضي. فبحيث لا يمكن التشكي بقاض الا للتفقدية العامة للقضاة ».

و اضاف مخاطبي و في نبرته لوم شديد و اسف كبير  » و الحصانة هي كل ما تبقى لنا من امتياز … »

و استخلصت من جولتي في شارع باب بنات ان حصانة القاضي امر مبهم غير معرف و بقي غير محدود المعالم.

و غادرت محكمة الاستئناف وانا حزين مهموم لحزن وهم مخاطبي.

و بالرجوع الى معجم الالفاظ  وجدت ان الحصانة  « قانون خاص يحمي من ينتفع به من الاعتقال و المحاكمة ». و يرفع هذا الامتياز بقرار من المجلس الذي ينتمي اليه المنتفع بالحصانة.

ذُكرت الحصانة باللفظ في القانون الأساسي عدد 34 المؤِرخ في 28 أفريل 2016 و المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء فقد جاء في الفصل 45         « يبتّ كل مجلس قضائي في المسار المهني للقضاة الراجعين إليه بالنظر من تسمية وترقية ونقلة، كما يبتّ في مطالب رفع الحصانة ومطالب الاستقالة والإلحاق والإحالة على التقاعد المبكّر والإحالة على عدم المباشرة وفق أحكام الأنظمة الأساسية للقضاة. »

و اضاف الفصل 38 من نفس القانون « وتصدر القرارات في مادة رفع الحصانة بالأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس القضائي. »

و بالرجوع الى الدستور التونسي و في فصليه 68 و 69 المتعلق بالحصانة البرلمانية و جدت انه « لا يمكن إجراء أي تتبع قضائي مدني أو جزائي ضد عضو بمجلس نواب الشعب، أو إيقافه، أو محاكمته لأجل آراء أو اقتراحات يبديها، أو أعمال يقوم بها، في ارتباط بمهامه النيابية. »

و في الفصل 69 وجدت انه « إذا اعتصم النائب بالحصانة الجزائية كتابة، فإنه لا يمكن تتبعه أو إيقافه طيلة مدة نيابته في تهمة جزائية ما لم ترفع عنه الحصانة.

أما في حالة التلبس بالجريمة فإنه يمكن إيقافه، ويُعلم رئيس المجلس حالا على أن ينتهي الإيقاف إذا طلب مكتب المجلس ذلك. »

و بالنسبة للقضاة فقد جاء في الفصل 22 من القانون عدد 29 لسنة 1967 المؤرخ في 14 جويلية 1967 المتعلّق بنظام القضاء، وفي ظني انه لا زال ساري المفعول، فقد جاء في الفصل 22  » لا يمكن بدون إذن من المجلس الأعلى للقضاء تتبّع أي قاض من أجل جناية أو جنحة أو سجنه لكن في  صورة التلبّس بالجريمة يجوز إلقاء القبض عليه فيعلم عندئذ المجلس الأعلى للقضاء فورا. »

و ردا على استنكار مخاطبي المبجل ان ترفع شكاية بقاض ضد آخر وان هذا الامر لا يجوز قانونا اقول ان استنكاره في غير محله بحجة ما ورد في الفصل 63 من القانون الاساسي المتعلق بتنظيم المجلس الاعلي للقضاء من  انه في صورة ثبوت الخطأ في جانب القاضي و كانت الافعال من قبيل الجنح والجنايات فان المجلس الاعلي للقضاء يحيل الملف على النيابة العمومية لاتخاذ ما تراه صالحا.

الفصل 63 ـ « في صورة ثبوت الخطأ الموجب للتأديب على مقتضى أحكام الأنظمة الأساسية للقضاة، فإن المجلس القضائي المعني المنتصب للتأديب يقرّر العقوبة المناسبة للأفعال المرتكبة من بين سلّم العقوبات الوارد بالأنظمة الأساسية المذكورة.

وإذا كانت الأفعال المنسوبة للقاضي تشكّل جنحة مخلّة بالشرف أو جناية، فعلى المجلس القضائي أن يتخذ قرارا معللا بإيقافه عن العمل في انتظار البت

فيما ينسب إليه ويحال الملف فورا إلى النيابة العمومية لاتخاذ ما تراه صالحا من إجراءات. »

و لعل اراد مخاطبي من قوله في عدم جواز التشكي بقاض لآخر ان للتشكي بالقاضي اجراءات لا بد من احترامها فلا ترفع الشكاوى مباشرة للقضاء       او لوكالة الجمهورية بل ترفع للتفقدية العامة للقضاة التي تنظر فيها ثم تحيلها للمجلس الاعلى للقضاء و هو وحده المؤهل لرفع الحصانة و احالة ملف القاضي لوكالة الجمهورية.

كما ان هذا الاخير ،اي وكيل الجمهورية،  لا يكون مُطالبا بالتتبع و بالبحث في الشكاية الا اذا تم رفعها طبق القانون اي عن طريق المجلس الاعلى للقضاء   و هو ، اي وكيل الجمعورية، في غير هذه الحالات محق في عدم النظر في الشكوى وعدم الالتفات اليها و لا يعد منه ذلك امتناعا عن العمل و لو أمره رؤساءه.

و ردا على كل ذلك اقول ان دور وكيل الجمهورية في تتبع القاضي المرتكب لجنحة او لجناية ثابت على الاقل في صورة التلبس.

ثم انه اختلط على مخاطبي امران. الامر الاول يتعلق بالاعلام بالجريمة           او بالجنحة و الامر الثاني يتعلق بالتتبع.

فاذا كان لا يمكن لوكيل الجمهورية ان يتتبع قاض من اجل جريمة ما الا بعد رفع الحصانة عن المشتكى به و احالة الملف اليه عن طريق المجلس الاعلى للقضاء فلا شيء يمنع المتقاضي المظلوم ان يتظلم للقضاء ليرفع الى علمه ما ارتكبه قاض  من افعال.

فالحصانة لا تمنع التظلم و التشكي ضد الحصان بفتح الحاء.

و دليلنا على ذلك ان فصول القانون الاساسي للمجلس الاعلى للقضاء             و القانون المتعلق بنظام القضاء لم تتعرض لاجراءات بعينها للتبليغ عن الجريمة المرتكبة من طرف القاضي.  و قد يتم ذلك بشتى الوسائل و لو عن طريق الصحافة…

فقد جاء في الفصل 54 من القانون المنظم للقضاء انه اذا بلغ « العلم » لوزير العدل دون ان يحدد اجراءا معينا للتبليغ عن الجرم.

الفصل 54 – عندما يتّصل وزير العدل بشكاية أو يبلغه العلم بأمور من شأنها أن تثير تتبّعات تأديبية ضد قاض يمكن له إن كان في الأمر تأكّد التحجير على القاضي المفتوح ضدّه بحث مباشرة وظائفه إلى أن يصدر لقرار النهائي في ذلك التتبع، ويجب في هاته الصورة أن يتعهد مجلس التأديب بالموضوع في ظرف شهر واحد.

و يستخلص من ذلك ان الحصانة لا تشمل التبليغ على الجرم و يكون ذلك بجميع الوسائل المتاحة و المشروعة و من بينها ولا شك من باب اولى          و احرى اعلام النيابة العمومية.

كما يستخلص من جميع ما سبق ان القانون لم ينظم طريقة معينة للتبليغ بل اباح القانون الاساسي للمجلس الاعلى للقضاء لجميع المتقاضين                   و المهتميناعلام المجلس بما صدر من افعال و اعمال عن القضاة ظنها المُبلِغ انها مخالفة للقانون.

و للعلم فان القانون الفرنسي بعد ان خص وزير العدل دون غيره سلطة احالة ملفات القضاة المؤاخذين على المجلس الاعلى للقضاء تراجع عن ذلك             و اصبح لرؤساء محاكم الاستئناف و للوكلاء العامون و لوكلاء الجمهورية الحق في احالة ملفات القضاة المؤاخذين على المحلس الاعلى للقضاء طبقا للقانون الفرنسي عدد 2001-539 المؤرخ في 25 جوان 2001.

و يبقى النقاش منحصرا في دور النيابة اذا ما بلغ الى علمها عن طريق التشكي ارتكاب احد القضاة لما يؤاخذ به جزائيا او جنائيا.

فهل تبقى النيابة مكتوفة الايدي مهملة للشكوى لا تنظر فيها و لا تحفظها           و لاتحيلها ولا تفعل شيئا بتعلة ان المشتكى به يتمتع بالحصانة و ان الشكاوى وجب ان ترفع للتفقدية اولا ام هل ان من واجبها ان تحيل الشكوى لوزراة العدل و لتفقدية الحكام ؟

و في ظننا ان اقل ما يمكن ان تقوم به النيابة في هذا الظرف ان تحفظ القضية لعدم الاختصاص او لتمتع المشتكى به بالحصانة القانونية.

اما ان ترفض النيابة فعل اي شيء فهو في راينا امتناع عن القضاء تؤاخذ من اجله النيابة.

ثم ماذا لو ان الشكوى رُفعت ضد مجهول و المتظلم لا يدري من ارتكب الجريمة و لو ان شكوكا تحوم حول القاضي و اعوان المحكمة.

فهل ترفض النيابة عندها البحث في الشكوى و أخذ اي قرار فيها بدعوى ان جميع القرائن تشير الى مسؤولية القاضي و هو الحصين ؟

ثم ان من الجرائم مثلها مثل جريمة الزنا لا يمكن ان يقوم بها الجاني بمفرده فاذا تعلقت الشكاية بمثل هذا النوع من الجرائم كجرائم الرشوة و الارتشاء      و استعمال الجاه و النفوذ…فان رفض النظر في الشكاية لحصانة المشتكى به الرئيسي يجعل بقية الشركاء و الفاعلين متمتعين بالحصانة و هو امر كما تعلمون مناف للقانون و للفصل 33 من المجلة الجنائية و لمفهوم الحصانة التي هي استثناء للقاعدة العامة و تتعلق بالشخص الحصين دون غيره.

و لا ادري ان كان سيعقب مخاطبي على هذا المقال او سيكتفي بما صرح         و قال.

و اقول لمخاطبي و زميلي السابق ان حصانة القاضي اخلاقه و استقامته وعلمه و حصافة رايه و سلامة ذوقه و نظرته البعيدة و تجربته العميقة. 

فان اخطأ فلا لوم و لا تثريب…و ان تعمد الخطأ فهو ليس منا و لسنا منه.