في سقوط الدعوى الجزائية بتمرير الزمن

في سقوط الدعوى العامة بتمرير الزمن

بقلم محمد علي التقرتي

الدعوى العمومية هي تلك التي يثيرها وكيل الجمهورية ضد كل من ارتكب جنحة او جريمة ما ينص عليها وعلى عقابها القانون.

على ان القانون الجزائي اقتضى اجالا معينة على وكيل الجمهورية اثارة الدعوى العمومية في غضونها والا سقطت الدعوى بمرور الزمن.

يحدث ان تُثار الدعوى العامة في آجالها القانونية و لكن و لامر ما ينصرف اهتمام النيابة عن الدعوى فلا تقوم بأي اجراء في شانها لامد مسقط للدعوى.

راينا في مقالات سابقة ان وكالة الجمهورية قد تغض النظر عن شكاوى تصل اليها فلا تقوم بأي عمل في شانها حتى تسقط الدعوى بمرور الزمن او بالاحرى بتمرير الزمن و هي كما راينا صورة ان وقعت من صور عدم المساواة امام القانون حيث يفلت البعض من العقاب و من التتبع.

وان كانت الصورة السابقة نادرة الوقوع و لا تعرض الا في حالات قصوى حيث تجد النيابة نفسها مضطرة لعدم التحرك لتمتع الجاني بالحصانة و لرفض الجهة المعنية برفع الحصانة اتخاذ الموقف المناسب. الا ان صورا اخرى تعترضنا وهي عديدة ولا يكون فيها عادة للنيابة من عذر يذكر بل يبقى الامر مبهما غامضا.

و الصورة التي نعني هي تلك التي تتحرك النيابة فيها فتأذن بالابحاث والتقصي في شكاية ما ثم سرعان ما يتبين لها عدم جدية الشكاية بسبب ما انتجه البحث و اذ بالنيابة تتخلى عن الشكاية و الشاكي و المشتكى به و ترمى الشكاية في درج من الادراج لتُقبر و يعلوها الغبار و لا يُتفطن اليها مجددا الا بعد ان فات من الزمن ما فات و سقطت الدعوى العمومية المثارة والمولودة ميتة بتمرير الزمن.

ولقائل ان يقول ان الامر عرضي و هو نادر الوقوع وانه و على كل حال فان على الاحرص من الاطراف اي الشاكي تتبع شكايته و تذكير النيابة في شانها حتى تتخذ ما تراه صالحا.

عديدة هي الحالات التي يضطر فيها الشاكي لتذكير النيابة بمآل الشكاية ومطالبتها باتخاذ قرار في شانها و قد يكون التأخير و البطء خارجين عن نطاق النيابة و تسبب فيهما الباحث الابتدائي.

الا ان الشاكي ان كان على سوء نية و قد اتخذ من الشكاية وسيلة للضغط على خصمه وهو يعلم علم اليقين ان ادعاءه باطل ، ليس من صالحه ان تُحسم الشكاية مبكرا بل من صالحه ان يبقى التهديد مستمرا متواصلا و ان يبقى المشتكى به، خاصة اذا كان شخصا مسنا قليل الحيلة و الاطلاع، وبالرغم من ايمانه ببراءته وبسلامة موقفه، ان يبقى المشتكى به متوجسا خيفة لما قد تؤول اليه الشكاية من عواقب في غير صالحه فهو اي المشتكى به لا يسعى عادة لدى النيابة للتذكير بالشكاية و لا يُطلب منه ذلك بل يقتصر دوره على تتبع مآل الشكاية عبر الاعلامية. اي الارشاد بالمحكمة.

وان قالت الاعلامية فلا تصدقوها فالقول غير قول الاعلامية.

هذه شكاية رُفعت في ماي 2014 و انتهت الابحاث فيها في اكتوبر 2014 ثم اعيدت للنيابة لاتخاذ موقف في شأنها.

كانت المشتكى بها و هي امراة مسنة جاوزت السبعين من عمرها تتبع الشكاية عن طريق الاعلامية لمدة…اربع سنوات وتجمعت لديها من قصاصات الاعلامية الشيء الكثير تفيد جميعها ان « بحثا تكميليا جاريا في الشكاية منذ مارس 2016… ».

و في آواخر 2018 جمعت العجوز المشتكى بها كل ما لديها من شجاعة وجراة وقابلت وكيل الجمهورية لتسأله عن مآل الشكاية ولماذا لم تنته الابحاث التكميلية المأذون بها كل هذه المدة.

اتضح بعد المراجعة ان الابحاث تمت منذ سنة 2014 و ان النيابة لم تقم في الشكاية باي اجراء آخر يذكر منذ ذلك التاريخ…

قرر سيدي وكيل الجمهورية بعد اسابيع حفظ الشكاية لسقوط الدعوى بمرور الزمن.

لم تكن المشتكى بها راضية على قرار سيدي وكيل الجمهورية فمن حق المشتكى به كحق الشاكي ان تجتهد النيابة في تحديد مآل الشكاية التي ترد عليها و قد تحملت المشتكى بها الامرين في تتبع سير الشكاية الى جانب الضرر المعنوى الجسيم الذي لحقها اذ كانت التهمة الموجهة ضدها مخلة بالشرف.

و السؤال الذي لم تجرأ المشتكي بها على طرحه لماذا لم يتخذ وكيل الجمهورية قرارا بالتتبع او بالحفظ في الامد القانوني و قبل ان يمر من الزمن ما اسقط الدعوى العامة. كانت تود المشتكى بها لو ان ابحاثا جدية اجريت في الشكاية لو ان سيدي وكيل الجمهورية اتخذ قرارا ما بصددها ولو بالاحالة و التتبع حتى تدافع عن نفسها امام القضاء و تفند ادعاءات الشاكي.
أما السؤال الذي بقي يتردد مُلحا في صدرها و لا تقدر على البوح به، لماذا تعمدت الاعلامية بالمحكمة مغالطة المشتكى بها بان نصت على اشياء غير مطابقة للواقع ؟

ثم ان المشتكى بها تروم بتتبع الشاكي من اجل الادعاء بالباطل وكان من الاسلم لو قضت وكالة الجمهورية في الابان بحفظ الشكاية لعدم توفر اركان الجريمة أما و قد قضت النيابة بسقوط الدعوى بمرور الزمن فان الشك يبقى قائما حول صحة الشكاية و صحة ما نسب من تهم للمشتكى بها من عدمه وهو ضرر آخر جديد يلحق بها تسببت فيه النيابة هذه المرة بعدم انصاف الشاكي و لا المشتكى بها لما تركت الشكاية تسقط بمرور الزمن او بتمرير الزمن…

نجحت النيابة في عقاب المشتكى بها و الشاكي على حد السواء فهي لم تترك الزمن يمر دون فعل اي شيء فحسب بل نججت في تمرير زمن المتقاضيين و الاشتقاق هذه المرة من المرارة و ليس من المرور. ان دور النيابة لا ينحصر في تتبع الجناة و مرتكبي الجرائم فحسب فان تبين لها تجرد الشكاية انصرفت عنها باعتبارها غير جديرة بالاهتمام. بل يجب على النيابة ان تحتاط لنفسها حتى لا تًحشر قي النزاعات المدنية وتستعمل سلطاتها لفائدة احد الاطراف و لو بدون علم من النيابة اما اذا كان ذلك عن قصد وبعلم النيابة فهو و لا شك انحراف خطير بالسلطة.

قرات كامل هذه المدة بشغف تدخلات لزميلات و لزملاء من المحامين و المحاميات حول اصلاح قطاع المحاماة ولعل فيما كتبت دليل آخر على ان قطاع المحاماة جزء من كل و لا يمكن اصلاحه الا باصلاح القضاء. فالقضاء و المحاماة جسد واحد اذا اشتكى منه عضو سرت في باقي اعضاء الجسم العلة و الحمى.