في صحة الاحكام الصادرة عن قضاة لا حق لهم في التفاوض في القضية

في صحة الاحكام الصادرة عن قضاة لا حق لهم في التفاوض في القضية. 

بقلم محمد علي التقرتي 

جاءت نصوص مجلة المرافعات المدنية التجارية مقننة لسير الجلسات و مختلف اطوار القضية بالقدر الكافي لضمان حقوق الاطراف وخاصة منها حقوق الدفاع و هي ايضا منظمة لسير الجلسات و طرق الترافع و تبادل التقارير مع ضرورة ان تحرر وقائع كل جلسة في محضر جلسة يكتسي صبغة رسمية طالما انه ممضى من طرف القاضي رئيس الجلسة.

محضر الجلسة وثيقة يرجع اليها جميع الاطراف في القضية و هي ايضا وثيقة تحررها المحكمة لتبقى حجة على من تأخر من الاطراف في تقديم جوابه او خلاص مصاريف الاختبار بالرغم من التأخير للغرض العديد من المرات وهي ايضا حجة تثبت ما قدمه الطرفان من وثائق اثناء الجلسة.

و لمحضر الجلسة في القضايا التي يمكن فيها للأطراف الحضور بدون محام او تلك التي لا يقتضي فيها القانون ان تكون الملحوظات كتابية اهمية خاصة حيث يلخص محضر الجلسة مرافعة الاطراف و الدفوعات القانونية و الواقعية المثارة.

لا يقلل مرور القضية من طورها الاول و الثاني الى طور المرافعة من اهمية احترام الاجراءات التي جاءت بمجلة المرافعات المدنية و التجارية بل بالعكس فان طور المرافعة له اهميته بالنسبة للمفاوضة و التصريح بالحكم.

 و لهذين الطورين الاخيرين بطبيعة الحال اهميتها التي لا تخفى على الاطراف و ممثليهم.

لعل من اهم ما ورد من اجراءات بخصوص طور المرافعة ثم بالنسبة للمفاوضة ما جاء في الفصل 121 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية

الفصل 121 (نقح بالقانون عدد 87 لسنة 1986 المؤرخ في 1 سبتمبر 1986)  تكون المفاوضة سرية دون أن يحرر فيها أثر كتابي ولا يشارك فيها غير القضاة الذين تلقوا المرافعة وعندما تحصل الأغلبية تحرر لائحة في نص الحكم ومستنداته يمضيها القضاة المتفاوضون ولا تكون لهـذه اللائحة صبغتها النهائية إلا بعد النطق بها بجلسة علنية يحضرها جميع القضاة الذين أمضوها. وإذا تعذر على أحد القضاة لمانع شرعي الحضور بجلسة التصريح بالحكم بعد تمام المفاوضة وإمضاء لائحة الحكم فإنه يقع التصريح بالحكم بمحضر القاضيين الباقيين. وإذا لم يمض القاضي المتغيب لائحة الحكم أو كان السبب المانع يتعلق بزوال صفته فإنه يجب إعـادة الترافع في القضية.

و ما يهمنا في الفصل ما جاء به من ان المفاوضة لا يشارك فيها غير القضاة الذي تلقوا المرافعة.

على انه و أمام تزايد عدد القضايا و تفاقمها لا حظنا ان بعض الدوائر بمحاكم تونس و احوازها تتكون من خمس اعضاء عوضا عن الثلاث اعضاء و هي التركيبة القانونية للمجلس القضائي بالمحكمة الابتدائية اذ جاء في الفصل 120 من نفس المجلة

الفصل 120 ( نقح بالقانون عدد 87 لسنة 1986 المؤرخ في 1 سبتمبر 1986( يصدر الحكم من ثلاثة قضاة بأكثرية الآراء ويطلب الرئيس من القاضيين رأيهما مبتـدئا بأحـدثهما عملا ويبدي رأيه أخيرا.

وإذا تكون أكثر من رأيين فإن القاضي الأحدث عملا ملزم بالانضمام لأحد الـرأيين الـذين أبـداهما زميلاه.  

فاذا كان الحكم يصدر من ثلاثة قضاة  ووجب ان يكون القضاة الثلاث ممن حضروا جلسة المرافعة فهل من الجائز ان يحضر جلسة المرافعة أكثر من ثلاث قضاة و ان يشارك أكثر من ذلك العدد في المفاوضة و قد حضروا جميعا جلسة المرافعة ؟

اذا ما رجعنا الى الفصل 40 من مجلة المرافعات المدنية و التجارية نلاحظ ان المشرع تعرض لهيئة المحكمة الابتدائية وقد جاء فيه صراحة ان هيئة المحكمة تتكون من « رئيس و قاضيين »

فقد جاء في الفصل 40 الفقرة الاولى و الثانية منه ما يلي:

 » تنظر المحكمة الابتدائية، ابتدائيا في جميع الدعاوى عدا ما خرج عنها بنص خاص

. وتنظر استئنافيا في الأحكام الصادرة ابتدائيا عن قضاة النواحي التابعين لدائرتها أو التي وصفت غلطا بكونها نهائية.  

 و تتألف هيئة المحكمة الابتدائية من رئيس وقاضيين وعند التعذر يعوض الرئيس بقاض ويقوم بوظائف كاتب جلسة أحد كتبة المحكمة ».

ان الفصل 40 يمنع بصفة وجوبية ان يحضر جلسات المرافعة و المفاوضة أكثر من ثلاث قضاة او أقل و لا مانع ان يحضر اقل من هذا العدد في باقي اطوار القضية أي في طور تبادل التقارير     و الطور الاول.

كما انه لا مانع من حضور قضاة متربصين طالما لم يكتسبوا بعد صفة القاضي.

أثيرت جل هذه المسائل بمناسبة صدور حكمين اثنين اثارا استغراب الدفاع و اهتمام النيابة.

يتعلق الامر بقضيتين متسايرتين وقع قرنهما لا تحاد الموضوع والاطراف و لاشتراك القضتين في اختبار اجري على العقار موضوع النزاع وقع توظيفه للقضيتين رفقا بالشاكيتين و اتقاء تحميلهما من المصاريف ما لا فائدة وراءه.

و كما هو متوقع فقد تسايرت القضيتان من جلسة لأخرى الى غاية جلسة المرافعة ثم المفاوضة   و التصريح بالحكم و كانتا في جميع مراحل القضية تعينان في نفس الجلسة و يُنادى عليهما كما جرت العادة تباعا.

انتهى الامر الى صدور حكم في القضتين في نفس التاريخ و استصدر المستفيد من الحكم نسختين تنفيذيتين وقع اعلام المحكوم عليهما بهما  في تواريخ مختلفة.

تجمعت النسختان التنفيذيتان لدى عدل تنفيذ واحد ثم لدى طرف واحد كلف بتعقب الاحكام الصادرة اذ ان الحكمين صدرا عن المحكمة الابتدائية بوصفها محكمة استئناف لأحكام النواحي.

و بالاطلاع على نسخة الحكمين تفطن الدفاع الى ان المحكمة التي اصدرت الحكمين في نفس اليوم و في نفس التاريخ كانت مغايرة التركيب من حكم لآخر حال ان القضتين عينتا في نفس جلسة المرافعة و نفس جلسة المفاوضة وهما مقرونتان متسايرتان بحيث صدر الحكمان بمشاركة خمس قضاة عوضا عن ثلاث قضاة فقط.

امكانيات عدة طرحت لتفسير الامر

  • ان تكون تركيبة المحكمة اثناء المرافعة خماسية و هو أمر يحجره الفصل 40 من مجلة المرافعات المدنية و التجارية كما رأينا
  • ان يكون قضاة ينتمون لنفس الدائرة، ولكن لم يحضروا المرافعة، قد شاركوا في المفاوضة واصدار الحكم وهو أمر يحجره الفصل 121 من نفس المجلة كما رأينا.
  • ان قامت المحكمة اثناء المرافعة بعد المناداة على القضية الاولى برفع الجلسة ثم بتغيير تركيبة الهيئة و تغيير القضاة ثم المناداة على القضية الثانية.

وهو امر يستبعد وقوعه اذ خلا ملف القضيتين من أي تجريح في أي قاض من القضاة كما لا وجود لما يفيد ان قاض من القضاة تخلى عن القضية لسبب او لآخر كما انه لا يتصور في صورة التجريح او التخلي ان لا يشمل التخلي و التجريح القضيتين لارتباطهما الوثيق.

ان مشاركة قضاة لم يحضروا المرافعة في المفاوضة و اصدار الحكم  تثير مسألة ثانية  تتعلق بتلخيص الحكم و مراجعته و امضائه فهل يمكن للقاضي الذي شارك في المفاوضة و لم يشارك في المرافعة  ان يقوم بتلخيص الحكم ثم بإمضائه؟

لم يحدد الفصل 121 من مجلة المرافعات المدنية و التجارية القاضي الذي يتولى تلخيص الحكم أي تحرير لائحة الحكم والاغلب على الظن ان احد القضاة الثلاث الذين شاركوا في المفاوضة وفي اصدار الحكم هو وحده المكلف بتلخيص الحكم اذ اوجب الفصل 121 من مجلة الاجراءات ان يمضى الحكم القضاة المتفاوضون وفي امضائهم مصادقة على فحوى و محتوى وحيثيات ومنطوق الحكم.

كما ان القاضي المتفاوض و قبل امضائه للحكم مطالب بمقابلة نص الحكم الذي حرره بخط اليد او سلم في شأنه قرصا الكترونيا مطالب بمراجعة النسخة الورقية للحكم و مقابلتها بما حرره شخصيا  حتى لا يقع التلاعب بأي عنصر من عناصر الحكم  المتعلقة بالأطراف او  بوصفه لمختلف اطوار القضية او لتعليله للحكم او وهو الاهم بنص الحكم.

و ماذا لو ان القضاة المصدرين للحكم  لم يشاركوا في المرافعة ولم يشاركوا ايضا في المفاوضة ؟

ما هي حجية الاحكام الصادرة في مثل هذه الحالة و لو ان صفة القاضي للممضي على الحكم لا شك فيها ؟

 نعلم جميعا ان حجية الاحكام تستمد قوتها من احترامها للشكليات القانونية و للصيغة التي اوجبها المشرع. ان مثل هذه الاحكام تصبح بالتالي لا قوة لها ولا حجية لها.

يبقى السؤال مطروحا فيما اذا كان يمكن اعتبار الخطأ في ذكر اسم القاضي الذي اصدر الحكم من باب الخطأ المادي الذي يمكن تلافيه طبق الفصل 124 من مجلة المرافعات  باعتباره  خطأ مادي تسرب في ذكر اسماء القضاة ثم امتد هذا الخطأ بإمضاء القضاة للحكم خطأ وعن حسن نية.

اوجب الفصل 123 عناصر شكلية لا بد من توفرها في الحكم حتى يكتسي قوة الحجة الرسمية

الفصل 123( نقح بالقانون عدد 14 لسنة 1980 المؤرخ في 3 أفريل1980 )

يجب أن يضمن بكل حكم

: أولا : بيان المحكمة التي أصدرته

. ثانيا : أسماء وصفات ومقرات الخصوم

. ثالثا : موضوع الدعوى

  رابعا: ملخص مقالات الخصوم

  خامسا: المستندات الواقعية والقانونية.

سادسا: نص الحكم

  سابعا: تاريخ صدوره

. ثامنا: اسم الحاكم أو أسماء الحكام الصادر عنهم.

فبالنظر لمنطوق الفصل 123 اعلاه لا يمكن اعتبار الخطأ الحاصل في اسم القضاة المكونين للمحكمة التي اصدرت الحكم مجرد خطأ مادي يستحق الشرح الا اذا كان هذا الخطأ لا تأثير له على التعرف على القاضي كأن يمثل الخطأ مجرد تحريف كنسيان نقطة على الاحرف المنقوطة او زيادة نقاط على السين و الشين و القاف والفاء …

اما اذا كانت الاسماء مختلفة اشد الاختلاف و كانت الاسماء المذكورة خطأ اسماء صحيحة لقضاة معروفين و لكنهم لم يشاركوا في الحكم ولا في المفاوضة  فان العيب يكون قد طال كامل الحكم     و افقده حجيته وقوته حتى ولو اجازه القضاة الذين شاركوا في اصداره والتفاوض في شأنه       و أقروا بانهم هم من تولوا في الحقيقة اصدار الحكم و كانت لهم الصفة القانونية،  ذلك لان الاحكام و الحجج الرسمية تستمد قوتها من ذاتها ويجب ان لا تتوقف صحتها على عنصر خارجي عنها و لو كانت مصادقة القاضي.

أما وكالة الجمهورية وقد بلغها الامر فإنها رات في الامر ما يستحق فتح ملف للبحث…