في قاعدة سلامة شكليات الاحكام مساس بمصداقيتها

في قاعدة سلامة شكليات الاحكام مساس بمصداقيتها

بقلم محمد علي التقرتي

أحاط المشرع التونسي اجراءات المفاوضة والتصريح بالحكم بجملة من القواعد القانونية الملزمة للقضاة حتى تحافظ الاحكام على مصداقيتها من حيث صياغتها وظروف اصدارها.

فقد اقتضى الفصل 189 من مجلة المرافعات المدنية و التجارية  (نقح بالقانون عدد 87 لسنة 1986 المؤرخ في 1 سبتمبر 1986) على المحكمة أن تبت في كافة المطاعن وتصدر بعد المفاوضة قرارا ممضى من جميع قضاتها.

وبين الفصل 120  (نقح بالقانون عدد 87 لسنة 1986 المؤرخ في 1 سبتمبر 1986) يصدر الحكم من ثلاثة قضاة بأكثرية الآراء ويطلب الرئيس من القاضيين رأيهما مبتـدئا بأحـدثهما عملا ويبدي رأيه أخيرا. وإذا تكون أكثر من رأيين فإن القاضي الأحدث عملا ملزم بالانضمام لأحد الـرأيين الـذين أبـداهما زميلاه.

كما اقتضى الفصل122  (نقح بالقانون عدد 87 لسنة 1986 المؤرخ في 1 سبتمبر 1986) يجب تحرير نسخة أصلية للحكم طبق موجبات الفصـل 123 في أقرب أجل وعلى كل حال ينبغي أن لا يتجاوز هذا الأجل عشرة أيام من تاريخ صدوره ويجب أن يقع إمضاؤها من طرف القضاة الذين أصدروا الحكم وإذا تعذر إمضاء أحدهم بعد التصريح به يمضيها من بقي منهم وينص بها على ذلك العذر المانع للإمضاء.

واضاف الفصل 123 (نقح بالقانون عدد 14 لسنة 1980 المؤرخ في 3 أفريل1980) يجب أن يضمن بكل حكم :

أولا: بيان المحكمة التي أصدرته.

 ثانيا: أسماء وصفات ومقرات الخصوم.

ثالثا: موضوع الدعوى.

 رابعا: ملخص مقالات الخصوم

خامسا: المستندات الواقعية والقانونية.

سادسا: نص الحكم.

سابعا: تاريخ صدوره.

 ثامنا: اسم الحاكم أو أسماء الحكام الصادر عنهم.     

 تاسعا: بيان درجة الحكم.

عاشرا: تحرير مجموع المصاريف إن أمكن ذلك.

وبخصوص المفاوضة جاء في الفصل 121  (نقح بالقانون عدد 87 لسنة 1986 المؤرخ في 1 سبتمبر 1986) تكون المفاوضة سرية دون أن يحرر فيها أثر كتابي ولا يشارك فيها غير القضاة الذين تلقوا المرافعة وعندما تحصل الأغلبية تحرر لائحة في نص الحكم ومستنداته يمضيها القضاة المتفاوضون ولا تكون لهـذه اللائحة صبغتها النهائية إلا بعد النطق بها بجلسة علنية يحضرها جميع القضاة الذين أمضوها. وإذا تعذر على أحد القضاة لمانع شرعي الحضور بجلسة التصريح بالحكم بعد تمام المفاوضة وإمضاء لائحة الحكم فإنه يقع التصريح بالحكم بمحضر القاضيين الباقيين وإذا لم يمض القاضي المتغيب لائحة الحكم أو كان السبب المانع يتعلق بزوال صفته فإنه يجب إعـادة الترافع في القضية.

اما فقه القضاء فقد أكد المبادئ الواردة بالفصول المتقدمة وأصر على امرين اثنين اولهما ضرورة ان يمضي كافة القضاة المشاركين في المفاوضة على نص الحكم و ضرورة ان لا يشارك في المفاوضة الا الحكام الذين تلقوا المرافعة.

من ذلك

مدني عدد 1958 مؤرخ فى 24/06/1980 – امضاء محضر المفاوضة والتصريح بالحكم من طرف حاكمين فقط والتمسك بذلك يشكل معارضة جدية يوجب على المحكمة الاهتمام بالإجابة عنها ايجابا أو سلبا لما له من تأثير على وجه الفصل.

و في قرار آخر اكدت محكمة التعقيب ان عدم امضاء قاض من القضاة على نص الحكم بدون بيان العذر يوجب النقض جزائي عدد 9388 مؤرخ في 25/05/1983 الحكم واجب امضاؤه من جميع الحكام الذين أصدروه و تخلف واحد منهم عن الامضاء دون بيان العذر يوجب النقض ( الفصل 166 من مجلة الاجراءات الجزائية).

كما اكدت محكمة التعقيب ان امضاء الحكم من طرف القضاة المشاركين فيه اجراء وجوبي يهم النظام العام ويمس بالإجراءات الاساسية مدني عدد 8958 مؤرخ فى 18/09/2007 إن إمضاء لائحة نص الحكم من طرف القضاة المتفاوضين إجراء وجوبي على المحكمة أن تثيره من تلقاء نفسها لمساسه بأحكام الإجراءات الأساسية.

على ان ما أكدته محكمة التعقيب من أهمية شكليات الحكم فهي التي تطمئن الاطراف

 اولا على ان الحكم صدر فعلا عن القضاة المتعهدين بالقضية حسب ما يثبته إمضاؤهم اسفل الحكم

وثانيا  ان جميعهم تلقوا و استمعوا الى مرافعات الاطراف ،

 جاءت محكمة التعقيب لتوهنه بان أقامت « قاعدة سلامة شكليات الحكم » التي تحمل المتقاضي عبء اثبات عدم استيفاء الحكم لشكلياته القانونية.

فقد جاء في قرار لمحكمة التعقيب انه اذا كانت نسخة الحكم المدلى بها غير ممضاة من القضاة فان الاصل في الاشياء الصحة وعلى المتمسك بالدفع ان يثبت خلو النسخة الاصلية من امضاء القضاة

مدني عدد 9632 مؤرخ فى 26/02/1973 الاصل في الاحكام ان تكون مستوفاة لجميع مقوماتها الشكلية الى ان يثبت خلاف ذلك وعدم تنصيص النسخة المدلى بها على امضاء الحكام بالحكم الاصلي لا يكفي لاعتبار هذا الحكم باطلا حتى يقوم الدليل من طرف المدعى على عدم الامضاء.

و في نفس الاتجاه مدني عدد 11571 مؤرخ فى 04/01/1975 – انه طالما لم يثبت الطاعن ان الحكم المطعون فيه خال من امضاءات القضاة فانه محمول على انه تام الموجبات الشكلية خاصة وان النسخة المقدمة تنص على انه ممضى من القضاة الذين اصدروه طبق الفصل 122 مرافعات.

وفي نفس الاتجاه مدني عدد 9302 مؤرخ فى 07/03/1974 – اذا ادعى المعقبون ان الحكم المطعون فيه معدوم الوجود لعدم امضائه من قضاته واستدلوا على ذلك بان النسخة المبلغة اليهم لا تحمل اشارة في هذا الامر كان ادعائهم مردودا لان عدم اشارة النسخة لما ذكر لا يقوم دليلا على فقدان الامضاء بالحكم اذ الاصل في الامور الصحة والمطابقة للقانون حتى يثبت خلافه.

و في نفس الاتجاه مدني عدد 11652 مؤرخ فى 10/01/1976 – الطعن بان النسخة المسلمة للطاعن لا تنص على امضاء الحكم غير مقبول ما لم يدل المعقب بما يفيد عدم الامضاء تطبيقا لقاعدة سلامة الشكليات بالأحكام.

وبخصوص خرق مقتضيات الفصل 121 من مجلة المرافعات المدنية و التجارية المتعلق بضرورة ان لا يشارك في المفاوضة الا القضاة الذين تلقوا المرافعة مدني عدد 260 مؤرخ فى 25/03/1976 – الاصل في الأحكام الصحة حتى يثبت خلافها وترتيبا على ذلك اذا لم يدل الطاعن بما يثبت ان القضاة الذين اصدروا الحكم المنتقد لم يكونوا هم الذين تلقوا المرافعة فإن طعنه مردود لعدم ارتكازه على اساس من الواقع.

وفي قرار آخر اثار المدعي العمومي دفعا شكليا يتعلق بعدم مشاركة قاضيين في جلسة المرافعة حال انهم شاركوا في التصريح بالحكم الا ان محكمة التعقيب اجابت بان مشاركتهم في المفاوضة « يفترض » سماعهم للمرافعة جنائي عدد 4562 مؤرخ فى 21/11/1966 – يكون موافقا لمقتضيات الفصل 121 م م ت اذا اثبت الحكم ان القضاة الذين اشتركوا فيه كانوا استمتعوا للمرافعة التي انتهت بحجز القضية للمفاوضة و التصريح بذلك الحكم.

 على ان قاعدة « سلامة شكليات الحكم » لا تطبقها محكمة التعقيب الا في حالة واحدة تكون فيها الموجبات الشكلية محمولة على القضاة اما اذا كانت محمولة على غيرهم فان « قاعدة سلامة شكليات الحكم » تنفتي آثارها.

فمن الغرابة ان نلاحظ محكمة التعقيب و هي التي أقرت مبدأ سلامة الشكليات بالأحكام تقر بان عدم امضاء كاتب المحكمة بنسخة الحكم المدلى بها يجعل النسخة غير قانونية و اجراءات التعقيب باطلة.

مدني عدد 175 مؤرخ فى 05/06/1976 اوجب الفصل 185 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية على الطاعن بالتعقيب تقديم عدة عناصر من بينها نسخة رسمية من الحكم المطعون فيه ومتى كانت النسخة المذكورة غير متوفرة فيها الشروط التي جاء بها الفصل 252 من نفس المجلة اي لم تكن مختومة بإمضاء كاتب المحكمة مع الطابع تعتبر لاغية و يسقط الطعن.

و للتذكير فقد اقتضى الفصل 252 من مجلة المرافعات المدنية و التجارية ما يلي

الفصل 252 كل خصم صدر في منفعته حكم له الحق في أخذ نسخة واحدة منه وهذه النسخة تسمى تنفيذية ويسلمها كاتب المحكمة الصادر منها الحكم ممضاة منه ومختوما عليها بطابع المحكمة. أما النسخ المجردة فتسلم لكل من يطلبها.

ان تحميل المتقاضي عبء اثبات عدم احترام الحكم لشكلياته القانونية بالرغم مما هو بين من ظاهر الحكم المقدم للمحكمة و الواقع الاعلام به افرغ الاجراءات الاساسية المتعلقة بالمفاوضة و التصريح بالحكم من كل مضمونها خاصة وان محكمة التعقيب اقرت بان قرينة اتصال القضاء قرينة قانونية لا تدحض و تتعلق بأصل الحكم كما تتعلق بشكلياته.

مدني عدد 7947 مؤرخ في 11/01/1960 – حجية الشيء المحكوم به قرينة قانونية لا تقبل الدليل المعاكس ومؤداها ان الحكم صدر صحيحا من ناحية الشكل و على حق من ناحية الموضوع.

اضرت قاعدة سلامة شكليات الحكم بمصداقية الحكم ايما ضرر فليس من العدل ولا من الانصاف ان تنفذ الاحكام على المواطنين وهي خالية من امضاء القضاة لمجرد ان الاصل في الاشياء الصحة ولا يفهم لماذا لا يمضي القضاة الا بأصل الحكم  و لا يمضون بجميع النسخ التي ترقن و هي لا تتجاوز عادة الثلاث او اربع نسخ حتى يطمئن المتقاضي و المحكوم ضده ان اغلبية من القضاة اقروا ووافقوا على نص الحكم و انهم على علم به.

 اما امضاء كاتب المحكمة فهو لا يمكن ان يعوض امضاء السادة القضاة خاصة ان ليس لكاتب المحكمة ان يراقب صحة الاحكام من الناحية الشكلية و لا ان يمتنع من الامضاء اذا كان الحكم لا يحمل امضاءات جميع القضاة كذلك فان امضاء كاتب المحكمة لا يمكن ان يقوم اشهادا على صحة الحكم شكلا.

يبدو ان محكمة التعقيب التمست للقضاة العذر، نظرا لكثرة العمل و قلة العدد، في عدم امضاء كافة نسخ الاحكام التي يصدرونها الا ان الامر هام و يمس بمصداقية الاحكام و على محكمة التعقيب ان تتخذ في شأن شكليات الحكم موقفا مشابها لموقفها من تعليل الاحكام حسبما يتبين من قرار محكمة التعقيب الذي أكد على ضرورة تعليل الاحكام بالرغم مما في هذا العمل من مشقة و تعب.

مدني عدد 75466 مؤرخ فى 31/01/2000 إن تعليل الأحكام وإن كان يتطلب من القضاة جهدا كبيرا فضلا عما يستنفذه من وقت إلا أنه يبقى شرطا لازما لصحة الحكم ولذلك لا يكفي لقيام الحكم الأسباب المبهمة أو المجملة أو التي لا تقنع المطلع عليها بعدالة الحكم ومن ثمة يجب تعليل كل حكم يصدر بصورة صريحة

و لمعارضة محكمة التعقيب، على معنى المعارضة بين الشعراء، نقول ان احترام شكليات الاحكام  بإمضاء القضاة المصدرين للحكم على جميع النسخ القانونية للحكم خاصة منها النسخة التنفيذية  لا يتطلب من القضاة جهدا كبيرا و لا يستنفذ الا القليل من الوقت و هو شرط لازم لصحة الحكم و من شانه ان يطمئن المطلوب على عدالة الحكم.