كفانا نصرة للزميل مظلوما و مناضلا

كفانا نصرة للزميل مظلوما و مناضلا
بقلم محمد علي التقرتي

مكاتب القضاة ليست ملكا للقضاة بل هي ملك عمومي بما فيها من ارضية وسقف و جدران و مصابيح و مكاتب وكراسي و حواسيب و ملفات و اوراق و اقلام..

مكاتب القضاة ملك للشعب و هي من مال المواطن.

مكاتب القضاة في حراسة القضاة و موظفي وزارة العدل و هي في حماية قوة الدولة بما فيها من شرطة و جيش.. اقتحام مكتب القاضي هو الدخول اليه بدون اذن القاضي الصريح.

جرت العادة ان نمسك على الاستئذان في الدخول اذا ما احتاط القاضي فوضع على باب مكتبه ما يفيد انه في مفاوضة سرية…

و جرت العادة ان نطرق الباب طرقا خفيفا ثم نفتحه بعد ان نسمع كلمة « تفضل ».. و نلج المكتب و لا نجلس الا بعد ان يطلب منا ذلك…

فإذا لم نستمع لكلمة « تفضل » نبقى امام المكتب جيئة و ذهابا بالرواق في انتظار قدوم القاضي لمكتبه حتى نفقد الامل في قدومه .. او يطل بطلعته في آخر الرواق فيدخل المكتب وننتظر قليلا حتى يستقر فنعيد طرق الباب…

أما اذا تعلق الامر بوكيل للجمهورية او غيره من القضاة ممن لهم « كتابة » تسهر على علاقتهم مع المحامين فتنظم الدخول للمكتب و تستأذن القاضي في دخول المحامي و غيره من الزوار فان الاتصال بالقاضي يكون حتما بالمرور بالكتابة و استئذان الكاتبة..او الكاتب.

فاذا رفض القاضي عن طريق الكاتبة قبول المحامي لسبب ما فان على المحامي العودة مرة اخرى فاذا تكرر الامر معه رفع الامر لفرع تونس للمحامين او للهيئة الوطنية للمحامين…
أذكر انني يوما استأذنت كاتبة في الدخول الى مكتب قاض من القضاة فأذن لي و كان زميلا غيري قد سبقني في طلب مقابلة القاضي اجابته الكاتبة بان القاضي غير موجود في مكتبه… رفضت الدخول و مقابلة القاضي طالما لم يأذن للزميل في الدخول باعتباره قد التمس المقابلة قبلي فاذن القاضي بمقابلة الزميل ثم بمقابلتي..
و اذكر ان القاضي لامني لوما شديدا على تدخلي في سير اعمال مكتبه و ان اجبرته على فعل ما يكره و قال لي بالحرف الواحد « ما موقفك لو تدخلت لديك لتستقبل في مكتبك من لا تحب » ؟ فاجبته ان مكتبي، اي مكتب المحاماة، مكتب خاص و انا حر في استقبال من أريد اما القاضي فهو حارس لمكان عمومي مكلف باداء مهمة لا يحق له ان يستقبل من يشاء و يرفض استقبال من يشاء… طالما كان طلب المقابلة يتعلق بامور مهنية بحتة.
ثم اني خجلت ان الاحظ للقاضي انه ليس من اخلاق القضاء ان يكذب القاضي فيكون حاضرا لبعض المحامين و متغيبا عن مكتبه بالنسبة لمحامين آخرين..

فاذا كان كل ما قلنا صوابا فالرأي عندي ان لا عذر لمحام يدخل مكتب قاض بدون ان يؤذن له في ذلك، و هذا هو معنى الاقتحام.

و لا عذر لمحام ان يبقى بمكتب القاضي بعد ان طلب منه القاضي او الكاتب مغادرة المكتب، و هو معنى الاعتصام..

وان لا عذر للمحامي ان يبقى داخل مكتب القاضي بعد ان غادره القاضي و هو وجه آخر من وجوه التواجد المشبوه و المثير للريبة و الشكوك.

و كل ما سبق ان قلنا عنف يأتيه المحامي ضد القاضي و هو عنف يدل على فشله في الاحتكام للقانون للدفاع عن حقوق منوبه.

فاذا صدر عن المحامي عنف ضد القضاء في أي شكل كان و باي درجة كانت فان ذلك يمثل خطأ مهنيا فادحا يؤاخذ عليه و على الهيئة ان تتخذ الاجراءات التأديبية اللازمة.

و لقائل ان يقول ان العنف الذي يقوم به المحامي في اقتحام مكتب القاضي الذي خرق القانون ورفض القيام بعمله و امتنع عن القضاء عنف مشروع و هو شكل من اشكال النضال و نصرة الحق و هو سلاح الضعيف الذي تالبت ضده المنظومة الفاسدة…

ان النضال او الكفاح او الدفاع او المحاماة من اسمى مكارم الاخلاق و الافعال.

ان الايمان بالحق و الدفاع عنه فضيلة يجازى عليها المرء و لا يعاقب.

الا ان النضال و لانه من مكارم الاخلاق يأبى الكذب و تزييف الحقائق.

فالمناضل الحق هو من يتحمل تبعات اعماله و يقر و يعترف بما فعل.

فليس من النضال ان نخرق القانون ثم ننكر اننا قمنا بذلك و نورط هياكل المهنة في الكذب و تغيير الحقائق.

ان من النضال ان نعترف باننا خرقنا القانون لنصرة الحق و ان نتحمل و ان نقبل ما قد ينجر عن فعلتنا من عقاب تاديبي او غيره..

فلا وجود للنضال اذا لم تصحبه تضحية.

اما ان يكون نضال بدون تضحية فالرسالة مبتورة و لا تصل لعموم المواطنين و لن يفهم غيرنا ما نقوم به غير اننا من اولئك المارقين عن القانون الراغبين في بسط ارادتهم على الكل و لو بخرق القانون و لو بالركون الى العنف.

فمن واجب هيئة المحامين حتى تعطي للنضال كل عمقه و كل قوته ان تقر بان ما قام به المناضلون عمل غير قانوني و ان تتخذ ضدهم الاجراءات القانونية التاديبية اللازمة ..و لا شيء يمنع مجلس التأديب ان ينزل بالعقاب الى ادناه بالنظر الى ظروف الواقعة..

اما ان ننفي وقوع المخالفة و ان نحرف الوقائع او ان نرفض تتبع المخالفين فهو خرق للقانون و خيانة لرسالة المحامي و المحاماة.