مفهوم الفساد و النزاهة و الشفافية بحسب المرسوم المحدث للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد


مفهوم الفساد و النزاهة و الشفافية في المرسوم المؤسس للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ؟

بفلم محمد علي التقرتي

في مفهوم الفساد

جاء في المرسوم الاطاري عدد 120 لسنة 2011 المؤرخ في 14 نوفمبر 2011 المتعلق بمكافحة الفساد في فصله الاول ان غاية المرسوم مكافحة الفساد في القطاعين العام و الخاص و ذلك..بتسيير كشفه و ضمان تتبع مرتكبيه و ردعهم.

ثم جاء الفصل الثاني من القانون ليعرف معنى  » الفساد  » و « النزاهة »و « الشفافية » باعتبار ان غياب « النزاهة » و انعدام « الشفافية » وجه من وجوه الفساد او ان ذلك سبب من اسباب انتشار الفساد.
الفساد لغة معناه التلف والعطب و هو الجدب و القحط و الكوارث و في معناه الاجتماعي عدم احترام الاعراف و القوانين.
و النزاهة لغة البُعدُ عن السُّوءِ وتركُ الشبهات.
و الشفافية لغة قابلية الجسم لاظهار ما وراءه وفي معنى آخر قابلية الشخص ان يظهر ما يُبطن.
عرف المرسوم المحدث للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ،الفساد، في فصله الثاني بانه سوء استخدام السلطة أو النفوذ أو الوظيفة للحصول على منفعة شخصية.
و يلاحظ في هذاالشان ان المرسوم حصر الفساد في اصحاب النفوذ و السلطة و الوظيف و استثنى منه بقية الافراد و هو بهذا التعريف يهم القطاع العام بالاساس بالرغم مما ورد في طالع المرسوم من ان مهمة الهيئة مكافحة الفساد في القطاعين العام و الخاص.
و لعل ما يعزز هذا التفسير ما جاء في الفصل التاسع من المرسوم من ان القطاع الخاص شريك في مقاومة الفساد بالقطاع العام. « يخضع القطاع الخاص إلى واجب المساهمة في جهود الدولة الرامية إلى مكافحة الفساد بتصور وتنفيذ الآليات الكفيلة بالحد من الممارسات التي من شأنها أن تشجع على تفشي الفساد في القطاع العام »
لا يفوتنا ان المشرع في تعريفه للفساد اوجب ان تكون غاية « الفاسد » الحصول على منفعة شخصية.
لم يعرف المرسوم المنفعة الشخصية و لم يحدد معالمها فماذا لو كانت المنفعة لفائدة احد اقارب الفاسد او..لحزب من الاحزاب او لمؤسسة اقتصادية خاصة او لجهة اجنبية..و هل تعني المنفعة مجرد الحصول على المال و الخيرات ام انها تشمل منافع اخرى كالاعتبار و الترقي في الوظيف و الحصول على المناصب..؟
ولعل في اشارة المرسوم الى مجموعة من الجرائم اعتبرها من الفساد تفسير لهذا السهو و كأن المشرع يدعونا الى الرجوع الى المجلة الجزائية لاستكمال تفهم النص وتطبيقه
فقد اضاف الفصل الثاني للمرسوم « ..يشمل الفساد خاصة جرائم الرشوة بجميع أشكالها في القطاعين العام والخاص والاستيلاء على الأموال العمومية أو سوء التصرف فيها أو تبديدها واستغلال النفوذ وتجاوز السلطة أو سوء استعمالها والإثراء غير المشروع وخيانة الأمانة وسوء استخدام أموال الذوات المعنوية وغسل الأموال. »
جاز اذن للمتفهم للمرسوم المؤسس للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد الرجوع الى القانون الجزائي في تعريفه لمجموع الجرائم المذكورة لتكون له صورة اوضح على معنى الفساد.

جريمة الارشاء و الارتشاء

خصت المجلة الجنائية جريمة الرشوة بالقسم الثاني من الباب الثالث المتعلق بالجرائم المرتكبة من الموظفين العموميين أو أشباههم حال مباشرةأو بمناسبة مباشرة وظائفهم وعنوانه « في الارشاء و الارتشاء فجاء في الفصل 83)كما نقح بالقانون عدد 33 لسنة 1998 المؤرخ في 23 ماي 1998.) كل شخص انسحبت عليه صفة الموظف العمومي أو شبهه وفقا لأحكام هذا القانون ويقبل لنفسه أو لغيره بدون حق سواء بصفة مباشرة أو غير مباشرة عطايا أو وعودا بالعطايا أو هدايا أو منافع كيفما كانت طبيعتها لفعل أمر من علائق وظيفته ولو كان حقا لكن لا يستوجب مقابلا عليه أو لتسهيل إنجاز أمر مرتبط بخصائص وظيفته أو للامتناع عن إنجاز أمر كان من الواجب القيام به يعاقب بالسجن لمدة عشرة أعوام وبخطية قدرها ضعف قيمة الأشياء التي قبلها أو ما تم الوعد به على أن لا تقل الخطية عن عشرة آلاف دينار ».
كما عرف الفصل 82( نقح بالقانون عدد 33 لسنة 1998 بتاريخ 23 ماي 1998). الموظف « يعتبر موظفا عموميا تنطبق عليه أحكام هذا القانون كل شخص تُعهد إليه صلاحيات السلطة العمومية أو يعمل لدى مصلحة من مصالح الدولة أو جماعة محلية أو ديوان أو مؤسسة عمومية أو منشأة عمومية أو غيرها من الذوات التي تساهم في تسيير مرفق عمومي. ويشبه بالموظف العمومي كل من له صفة المأمور العمومي ومن انتخب لنيابة مصلحة عمومية أو من تعيّنه العدالة للقيام بمأمورية قضائية. »
تتفاوت عقوبةالرشوة بين الشدة و اللين بحسب ما اذا كان الموظف هو الباعث على الارشاء فيكون العقاب ضعف العقاب المحكوم به واذا لم يخالف الموظف القانون ولكنه مع ذلك قبل الرشوة للقيام بواجبه فان العقاب ينخفض الى خمسة اعوام. كما تعاقب المجلة الجزائية المتوسط في الرشوة و لو كانت الوساطة لتوصل الراشي بحقوقه فان العقاب يكون بثلاث سنوات سجنا.

الاستيلاء على الاموال العمومية

اما في خصوص الاستيلاء على الاموال العمومية وهي من جرائم الفساد بحسب المرسوم فقد اشار اليها الفصل 99) نقّح بالقانون عدد 23 لسنة 1989 المؤرّخ في 27 فيفري 1989.) من المجلة الجزائية « يعاقب بالسجن مدة عشرين عاما وبخطية تساوي قيمة ما وقع الاستيلاء عليه، كل موظف عمومي أو شبهه والمؤتمن أو المحتسب العمومي، وكل مدير أو عضو أو مستخدم بإحدى الجماعات العمومية المحلية أو الجمعيات ذات المصلحة القومية أو بإحدى المؤسسات العمومية ذات الصبغة الصناعية والتجارية أو الشركات التي تساهم الدولة في رأس مالها مباشرة أو بصفة غير مباشرة بنصيب ما أو الشركات التابعة إلى الجماعات العمومية المحلّية الذي تصرف بدون وجه في أموال عمومية أو خاصة أو اختلسها أو اختلس حججا قائمة مقامها أو رقاعا أو رسوما أو عقودا أو منقولات كانت بيده بمقتضى وظيفه أو حوّلها بأي كيفية كانت. وتنسحب وجوبا أحكام الفصل 98 على الجرائم المنصوص عليها بهذا الفصل » و يقتضي الفصل 98 ان على المحكمة « أن تحكم فضلا عن العقوبات المبيّنة. بهذين الفصلين بردّ ما وقع الاستيلاء عليه أو اختلاسه أو قيمة ما حصل عليه من منفعة أو ربح ولو انتقلت إلى أصول الفاعل أو فروعه أو إخوته أو زوجه أو أصهاره وسواء بقيت تلك الأموال على حالها أو وقع تحويلها إلى مكاسب أخرى. »

الاثراء الغير المشروع

الا ان جريمة « الاثراء غير المشروع » التي ذكرها المرسوم المؤسس لهيئة مكافحة الفساد غير واردة ضمن الجرائم المبينة بالمجلة الجزائية وهي بالتالي لا تعتبر جريمة مستقلة بذاتها طبقا لمبدا شرعية الجرائم و العقوبات الذي يقر مبدأ ان لا جريمة بدون نص.

جرائم تجاوز السلطة

من الجرائم التي ذكرها المرسوم من الفساد جريمة تجاوز السلطة. يحمل القسم الخامس من الباب الثالث المشار اليه اعلاه عنوان « في تجاوز حدّ السلطة وفي عدم القيام بواجبات وظيفة عمومية » يتعلق القسم الخامس في تجاوز السلطة بالاعتداءات من طرف الموظف العمومي على الحرمة الجسدية للغير كالعنف و التعذيب ولو كان التعذيب نفسيا كما تشمل جرائم تجاوز السلطة تعنيف المتهم او الخبير او الشاهد قصد الحصول منهم على اقرار اوتصريح.
و من جرائم تجاوز السلطة اعتداء صاحب السلطة على حرمة المساكن و الدخول اليها بدون اذن من صاحبها.
ومن جرائم تجاوز السلطة الاعتصاب مع احترام الحق النقابي للموظفين .
ومن جرائم تجاوز السلطة  نشر ما يضر الدولة او لافراد الناس من كتب اؤتمن عليه الجاني بحكم وظيفه.
و من جرائم تجاوز السلطة مساعدة المتهم في التخلص من التتبعات العدلية و ذلك بالتراخي في القاء القبض على متهم او محكوم عليه و يعتبر ايضا تجاوزا للسلطة التغافل الذي انجر عنه فرار المتهم او المحكوم عليه من السجن. 
و يتعرض القسم الخامس ايضا الى الاستيلاءات الباطلة كاكراه الغير على التفويت في عقار..كما يعدد القسم في مجمل فصوله اوجه عديدة لتجاوز السلطة و العقوبات المقررة لها و يعتبر تجاوز السلطة بصفة عامة ما جاء به الفصل 114 من المجلة الجزائية في ارتكاب الموظف العمومي أو شبهه  خارج الصور المقرّرة جريمة باستعمال  خصائص وظيفته أو وسائل تابعة لها. 
 

خيانة المؤتمن

تعرض الفصل 297 من المجلة الجنائية لخيانة المؤتمن اذ جاء به  » يعاقب بالسجن مدة ثلاثة أعوام وبخطية قدرها مائتان وأربعون دينارا كل من يختلس أو يتلف أو يحاول أن يختلس أو يتلف سندات أو نقودا أو سلعا أو رقاعا أو وصولات أو غير ذلك من الكتايب المتضمنة لالتزام أو إبراء أو القاضية بهما لم تسلّم له إلا على وجه الكراء أو الوديعة أو الوكالة أو التوثقة أو الإعارة أو لأجل عمل معيّن بأجر أو بدونه بشرط ترجيعها أو إحضارها أو استعمالها في أمر معيّن قاصدا بذلك الإضرار بأربابها أو المتصرّفين فيها أو من هي بأيديهم. »

جريمة غسل الاموال

اما جريمة غسل الاموال فقد عرفهاالقانون عدد 75 لسنة 2003 مؤرخ في 10 ديسمبر 2003 يتعلق بدعم المجهود الدولي لمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال فقد جاء بالفصـل 62 – يعد غسلا للأموال كل فعل قصدي يهدف، بأي وسيلة كانت، إلى التبرير الكاذب للمصدر غير المشروع لأموال منقولة أو عقارية أو مداخيل متأتية، بصفة مباشرة أو غير مباشرة، من جنحة أو جناية.
ويعتبر أيضا غسلا للأموال، كل فعل قصدي يهدف إلى توظيف أموال متأتية، بصفة مباشرة أو غير مباشرة، من جنحة أو جناية، أو إلى إيداعها أو إخفائها أو إدارتها أو إدماجها أو حفظها أو إلى المساعدة في ذلك.
وتجري أحكام الفقرتين المتقدمتين ولو لم ترتكب الجريمة المتأتية منها الأموال موضوع الغسل داخل تراب الجمهورية.

في مفهوم النزاهة

والنزاهة بحسب المرسوم مجموعة من المبادئ والسلوكيات تعكس التقيد بمقتضيات القانون ومقاصده. ويطابق هذا التعريف التعريف اللغوى للفساد في معناه الاجتماعي.

تبدو النزاهة لغة مجرد مفهوم اخلاقي لا مكان له في نص قانوني. و مع ذلك تعرض المرسوم للنزاهة في فصله الرابع حيث جاء ان الدولة تضمن « تعزيز النزاهة » هكذا بدون تحديد آخر..

وفي فصله التاسع دعا مؤسسات القطاع الخاص الى تعزيز مبادئ الشفافية والنزاهة في التسيير.

و في فصله 22 تعرض المرسوم مجددا للنزاهة في خصوص تركيبة جهاز الوقاية و التقصي حيث اوجب ان يكون الخبراء المنتمين للجهاز « مشهود لهم بالنزاهة ».

في مفهوم الشفافية

والشفافية بحسب القانون نظام يقوم بصورة خاصة على التدفق الحر للمعلومات والعمل بطريقة منفتحة بما من شأنه أن يتيح توفير معطيات صحيحة وكاملة في الوقت المناسب وبأيسر السبل تساعد أصحاب الشأن على التعرف على كيفية إنجاز خدمة معينة أو صنع القرار وفهمه وتقييمه لاتخاذ المواقف والإجراءات المناسبة قصدالحفاظ على مصالحهم وفسح المجال أمامهم لمساءلة الأشخاص المعنيين عند الاقتضاء دون حواجز أو عراقيل.

في تفسير مقتضيات المرسوم

ان تعريف الفساد بحسب المرسوم جاء شاملا لمجموعة من الجرائم المعاقب عليه بمقتضى المجلة الجزائية فهل وجب اعتبار قائمة الجرائم المذكورة بالفصل الثاني من المرسوم قائمة حصرية ام هل ان مجمل الجرائم جاءت على سبيل الذكر لا الحصر و بمعنى آخر هل وجب تأويل و تفسير الفصل الثاني من المرسوم تفسيرا ضيقا ؟

تكتسي الاجابة على السؤال اهمية خاصة فمهمة الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد  » مكافحة الفساد في القطاعين العام والخاص وذلك خاصة بتطوير جهود الوقاية منه وتيسير كشفه وضمان تتبع مرتكبيه وردعهم  » فمجال عمل و اختصاص الهيئة مرتبط اشد الارتباط بمفهوم الفساد و تعريفه.

قد يتبادر للذهن اول وهلة ان مفهوم الفساد الوارد بالمرسوم وجب تأويله تاويلا مطلقا دون التقيد بما ذُكر من جرائم التي وردت على سبيل المثال و الحجة في ذلك ان المشرع عرف الفساد بصفة عامة بانه  » سوء استخدام السلطة أو النفوذ أو الوظيفة للحصول على منفعة شخصية ».

الا ان هذا التأويل يجرنا الى اعتبار المرسوم نصا اصليا و الحال انه نص استثنائئ اذ ان كشف الفساد و ضمان تتبع مرتكبيه و ردعهم » مهمة موكولة اساسا للقضاء و هو سلطة من سلط الدولة لا يمكن بحال تجاوزها او القيام بوظائفها مكانها والا انخرمت موازين السلط في الدولة و اضطربت اجهزتها و عظم شان السلطة التنفيذية المشرفة على هيئة مكافحة الفساد.

والراي عندنا ان قائمة جرائم الفساد الواردة بالفصل الثاني من المرسوم قائمة حصرية تؤول تأويلا ضيقا مع مراعاة اولوية السلطة القضائية في القيام بوظيفتها كاملة غير منقوصة.

يبدو ان نطاق عمل الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد مطابقا او متداخلا الى حد كبير مع عمل القضاء و وكالة الجمهورية فماهي الجدوى من استحداث هيئة خاصة لتتولى عملا موكولا في قسمه الاوفر للجهاز القضائي؟

من البديهي ان تكون الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد هي اول من يسهر على تعزيز النزاهة و الشفافية في أعمالها فما هي الوسائل التي اتخذتها لتحقيق ذلك و هل نجحت في ما سعت اليه ؟