من تساقطت اسنانه ضاعت حقوقه

من تساقطت اسنانه ضاعت حقوقه

بقلم محمد علي التقرتي

.حلت بالرجل نازلة من حيث لا يدري و قديما قيل تحدث للناس اقضية بقدر ما يحدثونه من فجور

غير ان صاحبنا لم يحدث اي فجور و لا تجربة له مع المحاكم و النوازل

استشار الرجل من حوله من معارفه و اقاربه و كان بينهم من رواد المحاكم يعلم ازقتها و ثناياها قال له ان مثل الدعوى التي تنوي رفعها تكلفك بين الثلاثمائة و الاربعمائة دينار كل هذا ما لم تأذن المحكمة باختبار فان اذنت به فان الكلفة قد ترتفع الى اكثر من الف دينار

استطرد الرجل فقال بعد ان لاحظ حبات العرق تبلل جبين مخاطبه لكن ابشر فقد احتاط المشرع لمن هم في مثل حالك يمكن لك ان تقتصد الكثير من المصاريف ان انت رفعت القضية بدون تكليف محام، و القانون يسمح بالنسبة لمثل قضاياك رفعها بدون محام، في هذه الحال فان كل ما عليك فعله تحرير شكوى للقاضي و ايداعها بكتابة المحكمة التي تتولى استدعاء خصمك اداريا فتكفيك مصاريف الاستدعاء

تهللت اسارير المتقاضي واخذ بنصيحة صاحبه و حرر العريضة و رفعها الى المحكمة و عينت الجلسة فاذا بالقاضي يطالبه منذ اول جلسة باعادة استدعاء خصمه بواسطة عدل التنفيذ اذ لم يبلغ الاستدعاء اداريا

لم يكن صاحبنا يتوقع مثل هذه المفاجآت اما مصاريف عدل التنفيذ فهي جد مرتفعة بالنسبة اليه ، لم يكن يتوقعها، عجز عن بذلها الى ان قضت المحكمة برفض دعواه

لم يكن رفع القضية من طرف صاحبنا من باب الهواية او ليملا فراغا

قرر صاحبنا مضطرا اعادة رفع القضية و قد علم انه وجب المرور بعدل التنفيذ و ان لا مناص من ذلك و ان الاستدعاء الاداري رابع العنقاء و الغول و الخل الودود ليس له وجود

لم يكن يدري كيف يوفر مصاريف عدل التنفيذ و جرايته لا تكفيه قوت يومه و مصاريف العلاج

لكن زوجته قالت له يا « راجل » ، و تقصد يا رجل، اراك قبيحا، و تقصد جميلا فقد اعتادت نساء بلادي الافصاح عن عكس ما تفكرن فيه، بطاقم الاسنان او بدونه وفر على نفسك لصق الاسنان لثلاثة اشهر تكون قد جمعت مصاريف عدل التنفيذ

لم يستحسن صاحبنا نصيحة زوجته و لكن لصق الاسنان هو الترف الوحيد الذي يسمح به لنفسه و لم ير بدا من الاستغناء عنه للنضال عن حقوقه

جمع صاحبنا المال الكافي لتكليف عدل التنفيذ ثم حرر العريضة ، عين الجلسة و كلف عدل التنفيذ و بلغ الاستدعاء خصمه شخصيا ثم قام صاحبنا بنشر القضية قبل موعد الجلسة و ظن الرجل انه قد ضمن حقوقه وان القاضي سينظر لا محالة هذه المرة في دعواه.

استيقظ الرجل يوم الجلسة على غير عادته متثاقلا فقد الم به زكام صاحبه ارق و سهاد و بات ليلته يفكر في يوم الجلسة و ماذا سيقول و اين سيجلس

كان صاحبنا يعلم ان القاضي يدخل الجلسة مع التاسعة صباحا، و كان القاضي قد نادي على قضية صاحبنا في المرة الاولى مع التاسعة و النصف او اكثر بقليل

وصل صاحبنا الى قاعة الجلسة مع التاسعة و عشرين دقيقة نظر الى المنصة فاذا هي قاضية وليس قاضي العادة قيل انها تطوعت لتسيير الجلسة عوضا عن القاضي المتغيب قبل ان تلتحق بجلستها

لم يكد صاحبنا يقترب من المنصة حتى علم ان القاضية اتت على الاخضر و اليابس و التهمت كامل الملفات في لمح البصر و سرعة البرق في سرعة تفوق سرعة الصوت و الضوء مجتمعين

لم يبق من الملفات غير جثامين مبعثرة على المنصة

اسقط في يد صاحبنا و استفسر عن مآل قضيته قيل له قضي فيها بالطرح
قال ما الطرح ؟
قيل الطرح هو على قول اخواننا في لببيا « تشطيب القضية من الرول »
لم يكن مزاج صاحبنا ميال للمزاح و لم يفهم ما قيل له بالتونسي فكيف له ان يفهمه باللهجة الليبية فلما لوحظ عليه عدم الفهم و البلادة قيل له في الكثيمن عدم الاكثراث « عاودها يا بابا

علم صاحبنا ان اشهر قادمة تنتظره يشرب فيها السوائل عوضا عن المضغ و الهضم ، يتفادى فيها الابتسام و الضحك و مقابلة الاصدقاء و الاصحاب و الخروج الى الشارع و مقابلة الناس بل يرفض فيها الحديث مع ابنائه المشتتين في اصقاع الارض عبر « سكايب » حتى لا يشاهدوا اباهم بدون طاقم اسنان يصعب عليه النطق و الكلام

ما ضر القاضي لو ترك حكم الطرح لآخر الجلسة و نادى على المتأخرين مرة ثانية ؟ ما ضر القاضي لو شعر بعناء المتقاضي و ما يتحمله من اتعاب و مصاريف ؟
و ما ضر و زير الداخلية و وزير العدل لو حرصا على تفعيل الاستدعاء الاداري ليكون فعلا ترسيخا لمجانية التقاضي و ليس فصلا قانونيا لا اثر له في الواقع

اما صاحبنا فبعد التفكير العميق قرر ان يلصق طاقم فمه من جديد فقد ادرك ان في البلاد من فقد اسنانه ضاعت حقوقه