من خواطر القضاء

من خواطر القضاء

بقلم محمد علي التقرتي

justice tunisienne

أذكر اني لما كنت قاضيا تجاريا بالمحكمة الابتدائية بتونس عُرضت امام الدائرة قضية هامة سواء من حيث قيمة النزاع الذي كان بلغ ملايين الدنانير في ذلك التاريخ أو من حيث أهمية الموضوع القانوني المطروح.

تتلخص وقائع القضية في ان شركة الكهرباء والغاز التونسية رفعت دعوى ضد شركة أشغال فرنسية فيما اختلف فيه الطرفان بمناسبة تنفيذ مقتضيات عقد أُبرم سابقا بينهما.

نازعت الشركة الفرنسية عن طريق محاميها وفي ملحوظات استاذ القانون المشهور المتوفى فيليب فوشار الذي استنجدت به الشركة لمعرفته بالقانون التونسي حيث درس عديد السنوات بكلية الحقوق بتونس، نازعت الشركة الفرنسية اذن في اختصاص المحاكم التونسية بالنظر في الدعوى لوجود شرط تحكيمي بالعقد اختار فيه الطرفان في صورة نشوب نزاع بينهما الاحتكام الى دائرة تحكيم بسويسرا بينما أصرت الشركة التونسية من جهتها على اختصاص المحاكم التونسية بالنظر باعتبار الشركة منشاة عامة ترعى مصلحة عامة وان البند لا يمضي ولا ينطبق في شانها.

اذكر أيضا ان ضغوطات عديدة سُلطت على الدائرة وعلينا كأعضاء فيها. ولعل اشدها تلك التي صدرت عن طريق وزارة العدل في شخص سيادة الوزير حتى ان الامر صُور لنا وقُدم الينا على انه خيار بين الوطنية وخدمة الوطن وبين التعامل مع الأجنبي وتقديم مصلحة الاجنبي، الشركة الفرنسية، على مصلحة الوطن والمواطن.

بالرغم من جميع الضغوطات قررت المحكمة التي كنت أحد أعضائها ان تقضي بعدم الاختصاص الحكمي وبوجاهة الدفوعات المثارة من طرف الشركة الاجنبية الفرنسية باعتبار ان الشركة التونسية للغاز عندما أبرمت العقد وقبلت الشرط تصرفت تصرف التاجر العادي وتخلت عن امتيازاتها كمنشأة راعية للمصلحة العامة.

صادف اصدار الحكم ان كنت آنذاك بصدد اعداد شهادة دروس معمقة في القانون المدني وكنت لا زلت باتصال بالجامعة وبأساتذة القانون فيها ولما ادركت اهمية الحكم الصادر من حيث طرافة موضوعه ومن حيث المبدأ الذي أقره، بالرغم من ان الحكم كان صادرا عن قضاة الدرجة الاولى ولا يمكنه ان يرقى أو ان يكون فقه قضاء بل كان مجرد سابقة تذكر للاستدلال لا أكثر، عندها أعلمت استاذ القانون الدولي الخاص واستاذي المرحوم محمد العربي هاشم بالحكم وسلمته نسخة منه فتولى التعليق عليه ونشره بالمجلات القانونية وبذلك اشتهر الحكم وتداولته الايادي الى ان بلغ صيته دوائر القضاء و القرار في فرنسا وساكن قصر الايليزي بالذات الرئيس الفرنسية فاليري جسكار دستان.

رجعت بي الذاكرة الى جميع هذه الاحداث الخالية عندما رأيت اعضاء الرباعي مجتمعين في حضرة الرئيس الفرنسي احتفاء بحصولهم على جائزة نوبل للسلام وتساءلت بيني وبين نفسي هل وجد المُكَرًمون في انفسهم حرجا لتلبية الدعوة ام هل انهم لبوا الدعوة مهللين مكبرين فقد عرض لي مع أعضاء الدائرة مثل هذا الامر عندما علمنا نية رئيس فرنسا فاليري جيسكار دستان تكريم الدائرة واستقدام اعضائها لقصر الايليزي.

فكرت كثيرا لما بلغ علمي نية الرئيس الفرنسي تكريم اعضاء الدائرة المصدرة للحكم لفائدة الشركة الفرنسية. كنت أشعر وانا اتخيل الامر بالحرج الشديد ان اذهب لفرنسا وان أتسلم من رئيسها  » أجر » ما فعلت ولم أفعله في ظني واعتقادي الا ارضاء للضمير وعن قناعة وتطبيقا للقانون. ثم انني كنت أشعر بالحرج الكبير ان يشكرني وأنا قاض بدولة مستقلة ذات سيادة ، رئيس دولة أجنبية لا ادين له بالولاء ولا بالطاعة على ما قمت به من واجب ظني انه اولا واخير لفائدة العدالة وتطبيقا لقانون البلاد وخدمة للعباد.

كفى الله المؤمنين القتال ولم يقع استدعائي للحضور بقصر الاليزي لمقابلة الرئيس الفرنسي ولم يقع استدعاء قيدوم الدائرة أيضا بل حضر رئيس الدائرة المرحوم عبد الكريم المهبولي نيابة عن الجميع وتسلمت الدائرة في شخص رئيسها احد الاوسمة الفرنسية لا أذكر درجته.

فالحكم وان اصدرته الدائرة بكامل اعضائها فقد كان من تحرير وتلخيص القاضي الاسبق والزميل الفاضل صالح الاخضر الذي لم يقع استدعاؤه لفرنسا ولا تقليده اي وسام كذلك فان وزارة العدل التي سارعت إلى جني ثمار الحكم بسحب الغطاء اليها والى مصالحها الراعية للقضاة وللقضاء بالبلاد كانت اشد المعارضين لصدور الحكم بل ان الدائرة المصدرة للقرار لم تعمر بعد صدوره طويلا حيث مُزقت أشلاء إذ نقل قيدوم الدائرة الى جندوبة للعمل كقاض تحقيق وكانت ترقية في شكل عقاب او عقاب في شكل ترقية ونٌقلت انا شخصيا للقصرين للعمل في المحكمة الابتدائية بالقصرين في مثل خطتي.

كانت وزارتنا في تعاملها مع الحدث تميل مع الريح فقد عارضت في صدور الحكم او قل قد عارض صدور الحكم مصادر نفوذ خفية ومصالح لا يعلمها الا الله وما ان صدر الحكم وكان من أمره ما كان حتى تبنته الوزارة ومن كان في نقده عتيا وركبا الحدث لسحب الغطاء اليهما وجني الاصل والفوائض.

كذلك فرنسا في تعاملها معنا ان كان خيرا تبنته وتدخلت على الخط وحاولت الانتفاع به ولسان حال حكامها يقول هؤلاء صنيعتنا وتربية ايدينا نشأوا على مبادئنا وعلى ثقافتنا و اخلاقنا اون كان شرا واتي احدنا شرا تبرأت منه ومن البلاد ونأت بنفسها عن كل تابعة و مسؤولية غريب ان تحتفي فرنسا بالانتقال الديمقراطي في تونس وتكرم من سعى لذلك وهي التي قاومت الثورة التونسية بما امدت به الطاغية من وسائل قمع وخبرة بوليسية.

ما تحصحص لي من تجربة في هذا الميدان ان الشكر والامتنان والعرفان قلما يحصل عليه انسان قام بعمل للوطن خاصة ارضاء للضمير، طاهر الوجدان، فالمنتفع الاول والاخير غير من تظنون كذلك الشهداء عند ربهم مكرمون طوى ذكرهم النسيان ولم يذكرهم سوى الاقارب والاهلون.