Archives par mot-clé : ترك العمل بالنص الصريح

لماذا يتحمل المتقاضي تبعات الخطأ البين وقد قضت بوجوده محكمة التعقيب ؟

لماذا يتحمل المتقاضي تبعات الخطأ البين وقد قضت بوجوده محكمة التعقيب ؟  

بقلم محمد علي التقرتي

عمل القاضي عمل غير معصوم من الخطأ.

ولا ادل على ذلك ما اقرته مجلة المرافعات المدنية والتجارية من مبدأ درجتي التقاضي حتى تتلافي محاكم الدرجة الثانية ما وقع فيه قضاة محكمة البداية من « خطأ » في فهم الوقائع او تطبيق القانون.

و لا أدل على ذلك ان مراقبة حسن فهم و تطبيق القوانين تخضع لمحكمة أحدثت للغرض وهي محكمة التعقيب.

على ان اختلاف القضاة فيما يقضون فيه من حالات متشابهة لا يكون في جميع الحالات خطأ من بعضهم و صوابا من البعض الآخر و انما يجب فهمه بانه « اجتهاد » خاص من قاض معين ينفرد به و وجهة نظر يختص بها ولا تشاركه فيها ضرورة بقية المحاكم بدرجتيها الابتدائية والاستئنافية.

وقد ينتهي الامر بان تتبنى محاكم الدرجة الثانية وجهة نظر طالما اعتبرتها خرقا للقانون وذلك اذا ما تبين لها مع مر الايام و مع تكرر نوع معين من القضايا صحة ما ذهب اليه القاضي الابتدائي.

و قد تراجع محكمة التعقيب موقفها و تقر في آخر المطاف بصحة ما ذهبت اليه محاكم الأصل اذا كانت « مقاومة » محاكم الاصل شديدة و اجتمعت كل الدوائر لمحكمة التعقيب على تغيير فهمها للقانون و الاصطفاف الى جانب محاكم الاصل.

و الحالات التي ذكرنا آنفا من اصطفاف محكمة التعقيب الى جانب محاكم الاصل  و الرجوع فيما اقرته من مبادئ في فهم قانون معين حالات نادرة معلومة و معدودة و تقوم هذه القرارات المرجعية مقام « القانون » وتمثل  « مصدر » من مصادر التشريع .

و الحالات التي تنفرد فيها محكمة معينة او قاض معين بتأويل خاص به للقانون في صور معينة حالات نادرة و قليلة واذا ما حصلت فالقاضي يجتهد في تعليل قضائه ويتبع في ذلك قواعد لا بد من مراعاتها في باب الاجتهاد في تطبيق القانون فلا بد ان يكون تعليله تعليلا منطقيا سائغا يستند لفهم خاص للفصول القانونية و هو فهم يسمح به عادة لبس وغموض في النص القانوني و هي حالات استثنائية سريعا ما يقع حصرها والتعرف عليها و في أغلب الحالات فان محكمة التعقيب تحسم الاختلاف بقرار مرجعي.

أما الحالات التي يكون فيها القانون واضحا لا يحتمل تأويلا و لا اجتهادا فهي الأغلب وهي الحالات العامة و لا بد ان يكون الامر كذلك والا اضطربت العدالة و صعب على اعضاء الاسرة القضائية الموسعة تطبيق القانون والتواصل فيما بينهم بلغة يفهمها الجميع وهي لغة   لا تختلف عن اللغة المتحدث بها اذ لها مفرداتها و قواعدها و نحوها و للمفردات معانيها ودلالتها وللفصول مفهومها و ظروف تطبيقها وملابسات « نزولها » و قواعد تأويلها.

ان ترك القاضي للغة القانون والتحدث للمتقاضين و لممثليهم بلغة أعجمية لا تفهم يعتبر خطأ مهنيا من طرف القاضي و قد عرفت محكمة التعقيب هذا الخطأ بصفة واضحة جلية  و أقرت بوجوده.

مدني عدد 70115 مؤرخ في 29/11/1999   إن خطأ محكمة الموضوع في تكييف الدعوى وتحديد القاعدة المنطبقة عليها هي صورة من صور الخطأ في القانون المعرف فقها بأنه ترك العمل بنص قانوني لا يحتمل التأويل أو الخلاف في وجوب الأخذ به وبناء عليه يتجه الحكم على ذلك الخطأ في القانون ومعنى هذا أن يقوم قضاء القاضي على هذا الخطأ هو العلة المؤثرة في ذلك القضاء.

واضيف لتعريف محكمة التعقيب ان ترك العمل بفقه قضاء مستقر و واضح من الاخطاء في تحديد القاعدة القانونية المنطبقة و يجب ان يعتبر من الاخطاء البينة الجلية.

بل ان المشرع نفسه اقر ان القاضي قد يقع في الخطأ وان المحاكم قد تخطأ وان خطأها قد يكون خطأ بينا.

فقد جاء في الفصل 192 من مجلة المرافعات المدنية و التجارية

   كما نقح بالقانون عدد 87 لسنة 1986 المؤرخ في 1 سبتمبر

1986تنظر الدوائر المجتمعة أيضا :

1) إذا كان الأمر يدعو إلى توحيد الآراء القانونية بين الدوائر.

 2) عند وجود خطأ بين في قرار صادر عن إحدى الدوائر في أول الفقرة.

 ويعتبر الخطأ بينا:

1) إذا بني قرار الرفض شكلا على غلط واضح.

2) إذا اعتمد القرار نصا قانونيا سبق نسخه أو تنقيحه بما صيره غير منطبق.

 3) متى شارك في القرار من سبق منه النظر في الموضوع.

 خطأ القاضي امر مقبول ومسموح به وهو و لا شك شأن كل عمل بشري.

خطأ القاضي التونسي مقبول و معذور في غياب الظروف الملائمة لعمل القاضي من كثرة القضايا و تراكمها و من غياب المعلومة الواجب توفرها فقد توقف علي سبيل المثال نشر قرارات محكمة التعقيب منذ سنوات وبقي القاضي و المحامي على حد السواء يجهلان آخر ما ظهر في مصدر هام من مصادر التشريع..

و السؤال الذي يطرح نفسه مع كل ذلك هو التالي: من يتحمل تبعات الخطأ البين وآثاره ؟

  ليس للمتقاضي امام خطأ القاضي الا امكانية الطعن في الحكم المعيب بطرق الطعن العادية.

  لا يخفي على الجميع ان آجال الطعن والحصول على حكم جديد طويلة شاقة و باهظة الثمن.

لا يخفى على الجميع ان اجراءات الطعن بالخطأ البين اجراء معقد و طويل.

 اذا صدر الحكم المعيب فقد وقعت الفأس في الرأس  وحان زمن الحيرة و الإفلاس!

والنتيجة ان أخطاء القضاء الخفية و الظاهرة، تلك التي بلغت مسامع الدوائر المجتمعة وتلك التي لم تبلغ، جميعها من الاضرار الجانبية التي يتحملها المتقاضي كما يتحمل المدنيون آثار القصف الجوي « النظيف » او ما يسمى بالعمليات الجراحية في الحروب.

 فمن الآثار الجانبية ان يطبق القاضي قانونا وقع فسخه ؟

وان يرفض الاستئناف او التعقيب شكلا و هو صحيح؟

وهي حالات الخطأ البين التي اتى بها المشرع.

 و من الآثار الجانبية ان لا يطبق القانون الواضح الصريح؟

وهي حالة الخطأ « البين » التي أتى بها فقه القضاء.

و من الآثار الجانبية ان يترك القاضي القرارات التعقيبية الواضحة و يضرب بها عرض الحائط ولا يعيرها وزنا الا اذا كان حكمه معللا تعليلا كافيا شافيا يبرر الابتعاد عما اقرته محكمة التعقيب.

وهو الخطأ البين الذي نقترح اضافته.

     فهل من باب العدل و الانصاف ان يتحمل المتقاضون مصاريف التقاضي المتضاعفة  بسبب ما عاب الحكم من أخطاء بينة واضحة و جسيمة ؟

فاذا ما قضت محكمة التعقيب بثبوت الخطأ البين فالمتقاضي الذي ربح القضية في آخر المطاف غير مسؤول عن الخطأ الذي أعاب الحكم. ولم يكن بالضرورة راغبا في الطعون التي قام بها وانما اضطر لذلك اضطرارا.

والمتقاضي الذي ربح القضية في آخر المطاف اضطر للتعجيل بمصاريف التقاضي وتحمل الاتعاب.

وللعلم ان ما تقضي به المحاكم من تعويض لا يغطي عادة الا الجزء القليل من مصاريف التقاضي و لا يعوض كما يجب ما تحمله المتقاضي من أتعاب مادية و معنوية.

و المتقاضي الذي خسر القضية في آخر المطاف مجبر على تحمل مصاريف واتعاب التقاضي التي ستقضي بها المحاكم لفائدة خصمه الى جانب ما سبقه من مصاريف وما تحمله من اتعاب حال انه لم يكن السبب وراء تعدد الطعون و تفاقم المصاريف والخسائر وانما تسبب في ذلك الخطأ الذي أعاب الحكم والذي أقرت بوجوده محكمة التعقيب في دوائرها المجتمعة او في دائرة منفردة اذا كان الخطأ من الاخطاء التي عرفها فقه القضاء في ترك العمل بنص واضح وصريح.

ان الحاجة ملحة ان يتدخل المشرع في صورة ثبوت الخطأ البين و القضاء به سواء أكان الخطأ بينا كما عرفه الفصل 192 او كما عرفه فقه القضاء او كما نقترحه ، فيرتب مسؤولية خاصة للقاضي، اذا كان الخطأ فاحشا قصديا او يكاد، او للدولة اذا كان الخطأ « مقبولا » وكان للقاضي عذره في ذلك.

 و الحاجة ملحة في ان توفر الادارة للقاضي النزيه العادل احسن الظروف للعمل و خاصة الوصول للمعلومة القانونية و الفقهية الصحيحة.

و الدعوة ملحة ان يلعب الدفاع دوره كاملا حتى يكون السند الحقيقي و الطرف النشط الفعال في إقامة العدل فيلفت نظر القاضي للفصل القانوني الصريح الواضح  و يلفت نظر القاضي الى ما أقرته محكمة التعقيب في قضية الحال    و على الدفاع ان يلفت نظر القاضي للعناصر الواقعية و القانونية التي من شأنها تفادي وقوع القاضي في خطأ بين  يتحمل آثاره و تبعاته في آخر المطاف المتقاضي ولا أحد غيره.