Archives par mot-clé : تونس

خواطر باطنية حول النشيد الرسمي التونسي بقلم محمد علي التقرتي

خواطر باطنية حول النشيد الرسمي التونسي بقلم محمد علي التقرتي

يا ذا الالطاف الخفية احفظ البلاد التونسية

كان العنوان شعار البلاد التونسبة سنة 1900 قبل ان يقع تغييره.

استدعيت لسنوات خلت للحضور كرها الى احدى وزارات السيادة و قد كنت اتوجس خيفة من مثل هذه البطاقات..

و فوجئت اذ سالنى المسؤول عن رأي في استبدال النشيد الوطني بنشيد الثورة نشيدنا الرسمي الحالي « حماة الحمى ».

استغربت ان يُسأل مثلي في هذا الامر و قلت هل بلغكم عني ذمي ل »نشيد الثورة » ؟

لكن مخاطبي و قد تتلمذ لوالدي قال : كان الشيخ (و يقصد والدي) رحمه الله قد كتب حول الموضوع و فكك رموز نشيد الثورة « حماة الحمى  » و لم يكن راض عنه و النية متجهة لاستبدال النشيد الحالي
و الرجوع الى نشيد الثورة..

قلت لا علم لي بذلك و قد لا يعجبك ما سأقول و قد يثير اكثر من حفيظة و من اعتراض و قد اجرح مشاعرالناس بدون ان اقصد

قال لن يعلم حديثنا احد

قلت اعلم ان قصيد حماة الحمى لا يصلح ان يكون نشيدا وطنيا جامعا و هو قصيد مثبط للهمم يوحي للانسان بضعفه و قلة حيلته في تجاوز الصعاب و بانه ميت لا محالة و لا امن و لا امان له الا في ظلمة الارحام… و لو ظن القارئ عكس ذلك..

قال كيف تقول ذلك ؟

قلت اذا عددت حرف النون بالقصيد فستجد منها ما يقارب الخمسين وقد كتب الحرف في آخر الكلمات لاكثر من عشر مرات..

حرف النون حرف الوسط في ابجدية العرب و هو الحرف الرابع عشر و شكله
نصف دائرة مفتوحة الى السماء تتوسطه نقطة.

نصف الدائرة المفتوحة ترمز الى الزمن الذي يمر اما النقطة الثابتة فهي وجه الله الثابت …الحي الذي لا يموت..

و قد استهل الله عز و جل سورة القلم بحرف « ن »  » ن و القلم و ما يسطرون
ما انت بنعمة ربك بمجنون » و قرن حرف النون بالجنون..

و النون الى ذلك حوت عظيم على تيار الماء المحيط ..و قد لُقب النبي يونس بذي النون اذ ابتلعه الحوت و هو مليم و لبث في بطن الحوت لزمن مقيم..

بطن الحوت اسر و عقاب و ظلمة و وحشة وهو في الآن نفسه امن و أمان
و هروب من مصاعب الحياة يرمز بصفة واضحة و جلية الى الارحام و رغبة الانسان الضعيف هروبا من مصاعب الحياة في العودة الى ارحام امه حيث يشعر بالامن و الامان.. و هو آخر ما يجب ان يوحي به نشيد و طني ..

و حرف النون وعاء بدون غطاء ذكر الشاعر السماوات لتكون الغطاء فتكتمل بها الدائرة او الرحم او البيضة و تحداها الشاعر ان تدوي برعدها
وان ترمي بصواعقها وان تثني شباب البلاد و شبانها عن نجدة تونس لتحقيق مجدها و عزتها.

و ما كان له ان يقول ذلك لولا شعوره بالامن و الامان بما سبق من ذكر حرف
النون اي قبل ان يلتجأ رمزا الى الارحام ليحتمي بها و قبل ان يختفي في مكان
حصين اي ببطن الحوت..(حرف النون في لفظ الزمن و الوطن..)

لا يخشى الرعد و البرق الا المنافقون و قد جاء في قوله تعالى فيهم
« يكاد البرق يخطف ابصارهم كلما اضاء لهم مشوا فيه و اذا اظلم عليهم قاموا »
و قوله « أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ۚ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ »

اما رمز الرعد فهو صوت السماء اما الصواعق فهي قوة القضاء الذي لا مرد له …من ذلك مطرقة القاضي ، و هي رمز الصاعقة في يد السماء
التي تحاكي في يد القاضي بخفضها من الاعلى، السماء، على الطاولة ، رمز الارض، صواعق السماء و قوة القضاء مما لا حول و لا قوة للانسان في رده

و اذا انت ذكرت المطرقة فلا بد ان تذكر البناء و البنائين و نحتهم للصخور و رفعهم للصروح فكان حديث الشاعر عن البناء فجاء قوله ورثنا السواعد بين الامم و الحديث عن الارث حديث مرة اخرى عن الموت الذي يسبق الارث و لفظ الامم جمع حرفي الميم و كان رمزا واضحا للغرق في المياه او الاستكانة في قاع البحر و سنبين ذلك عند التعرض لحرف الميم
اما السواعد فيهتز فوقها العلم و لا يرفع بقوتها العلم و الاهتزاز ضد الثبات
و ضد التمكن و القوة..

تأكد معنى تحدي السماء في ان تدوي برعدها و ترمي صواعقها بتكراره في قول ابي القاسم الشابي اذا الشعب يوما اراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر
و هي نفس الصورة و صورة اخرى من صور الثورة على الاقدار و عدم الخضوع لمشيئتها..

اما ظلمة الليل التي ستنجلي فتشبه الظلمة في بطن الحوت و ظلمة الجنين في
الارحام اما القيد الذي سينكسر فمن الواضج انه قيد الاسير في ظلمات السجن
او ظلمات بطن الحوت و في ظلمات الارحام..

تيقن الانسان منذ القدم من عبثية الثورة على الاقدار فهو امر تناولته مختلف
الميثيولجيات قبل الاديان بان عاقبته وخيمة عقاب محتوم و غضب و سخط من السماء..اذ يبقى الموت فوق الانسان مهما تجبر و علا..
فلا يسأل الانسان رد القضاء بل يتجه بالدعاء لذي الالطاف الخفية ليلطف فيما جرى

و الصواعق و الرعود للناس بشائر خير اذ تعقبها الامطار و المياه و هو رمز الطهر و الارتواء بعد العطش و لم يذكر الشاعر ماءا و لا مطرا و لا ما يرمز اليهما و لم يذكر من السوائل غير الدماء التي انفجرت من العروق .. وهي صورة أخرى للمرض و النزيف و الموت..

و بدا في القصيد دوي السماوات و صواعقها وعد كاذب بدون امطار
و لا غيث نافع و كأن قد يئس الشاعر من رحمة السماء ..

و اذا انت عددت حرف الميم في نشيدنا الوطني فستجدها الحرف الغالب
و يقارب عددها الستين و هي تفوق عدد حرف النون ..
و الميم يلي النون في ترتيب ابجدية الحروف و هو رمز الموت ..

شكل الميم عبارة عن دائرة يعقبها ذيل مائل الى الاسفل و هي عبارة
عن راس مطأطأة و جسم منهار..و هو رمز الموت

و يذكر الموت في القصيد باللفظ مرتين متتاليتين تأكيدا و اصرارا « نموت..نموت و يذكر مقرونا بالعظام – موت العظام- وهي صورة كريهة للعظام النخرة و يذكر ايحاءا في نفي الحياة مرتين في  » فلا عاش في تونس من خانها و لا عاش من ليس من جندها »
و يذكر مستترا في قوله « اذا الشعب يوما اراد الحياة.. » مما يوحى
بان الشعب ميتا و يرفض الحياة او انه بصدد التكوين في
الارحام اي انه موجود بالقوة و ليس بالفعل …

و الميم ثاني رموز برج السرطان المكون من حرف الميم و انعكاسه على المرآة..

و برج السرطان باب الانسان و يبدا في الاعتدال الصيفي من 21 جوان
و هو يقابل باب الالهة الذي يبدأ في 22 ديسمبر و يتعلق ببرج الجدي
فيبدأ خلق االانسان في بداية الصيف و ينتهي في بداية الشتاء ..

كثرة الميم في القصيد توحي بالغيبة سواء بالموت او بانعدام الوجود الفعلي
اثناء فترة التكوين و هو حرف قاع البحار و بداية الخلق شأنه شان
السرطان الكائن البحري الموجود في قاع البحار

و السرطان ذاك الكائن البحري يشبه في شكله الورم الخبيث في الجسم
و هو مرض مخيف يوحي بالعجز و الموت و جميع الظواهر مرتبطة ببعضها البعض يدركها الباطن و الوجدان و الخيال قبل ان يفسرها العقل ادراكا و وعيا

و جاءت ‘هلم ‘جمعا مذكرا حيث لا يجب التمييز في القصيد مرتان  » هلموا هلموا »
و هلم من اسماء الافعال غير محدد الجنس و لا العدد يذكر و يؤنت و لا يتغير في المفرد و لا في الجمع كقوله تعالى في
سورة الانعام ‘قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا.. »
و هو بهذا كالاجنة في بداية الخلق لا يعلم عددها و جنسها الا الله..

عند هذا الحد قاطعني المسؤول و كأنه افاق بعد عملية تخدير او تنويم
و طلب مني ان احرر نصا في كل ما ذكرت.

لم افعل و الح علي في الطلب حتى تقرر استبدال النشيد القديم
بالنشيد الجديد فانقطعت عني اخباره.